فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 436

ولكن الناس على أى حال قد ارتضوا هذا التغيير وإن كان قد فاجأهم أول الأمر على أساس أن الاستقرار الذى يتيحه النظام الجديد أقرب إلى تحقيق المصلحة من النظام الذى جر إلى الخلاف والفرقة وإن كان في ذاته أعدل وأقوم.

وليس هنا مجال وقفة طويلة أمام هذه النقطة لأن تصرف الأمويين كما قلنا لم يخالف نصا صريحا من نصوص الإسلام. ولكننا نقول إن هناك منعطفا تاريخيا هنا كان له سببه في حياة المجتمع الإسلامى في ذلك الحين. فقد انتشر الإسلام في سنوات قليلة في رقعة واسعة من الأرض ولم تكن تلك الجموع الغفيرة التى دخلت في دين الله أفواجا قد أتيح لها من التربية الإسلامية ما أتيح للجيل الذى رباه رسول الله - على عينه ومن ثم لم يكن يتوقع أن تسير الحياة على ذات المستوى الرفيع الذى سارت عليه في العهد الأول في أى مجال من مجالاته وفى السياسة بصفة خاصة لأن انتظام السياسة على المستوى الأعلى ليس مسألة الحاكم وحده إنما هو مسألة المجتمع كله ومدى رقابته على أعمال الحاكم ورده إياه إلى الحق الربانى وعدم الرضا منه بمخالفة ما أنزل الله. وذلك يحتاج إلى مثل تلك التربية العالية التى كان عليها الجيل الأول رضوان الله عليه ويحتاج كذلك إلى ترسيخ القواعد السياسية حتى تصبح عرفا ملزما يهتز ضمير الناس إذا خولف. وقد كان امتداد الخلافة الراشدة فترة أطول كفيلا بترسيح تلك القواعد وترسية ذلك العرف ولكن قدر الله أن تعاجل الأمة بفتنة مقل عثمان رضى الله عنه بتدبير الأعداء الكائدين من الداخل من اليهود وغيرهم وما تلاها من فتنة الخلاف الذى أدى إلى القتال بين على ومعاوية وامتناع كثير من الصحابة رضى الله عنهم من الخوض في الفتنة خوفا من توسيع شقة الخلاف ثم رضاهم بعد مقتل على كرم الله وجهه بالتغيير الذى أحدثه الأمويون رجاء استقرار حال المسلمين ودرء الفتنة عن حياتهم ما دام لا يخالف نصا صريحا من نصوص الإسلام.

وأيا كان الأمر فقد انجلت الغاشية عن أمرين اثنين أثرا في حياة الأمة تأثيرا بالغا على امتداد الزمن وإن كان في أول العهد ظهرا طبيعيين جدا بإزاء الظروف السياسية القائمة يومئذ:

الأمر الأول: هو استقرار الملك الوراثى بدلا من الخلافة.

والثانى: هو التخلى التدريجى من مجموع الأمة عن مراقبة أعمال الحكام وانصرافها التدريجى إلى أمورها الخاصة!

فأما الأمر الأول فليست فيه كما قلنا مخالفة لنص صريح من نصوص الإسلام. ولم يكن ليحدث ضررا في الحياة السياسية الإسلامية ولا في الحياة العامة لو حافظت الأمة على مراقبتها لأعمال الحاكم وقيامها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت