فهرس الكتاب
بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما أمرها الله ورسوله فإن العبرة كما بينا بتنفيذ شريعة الله لا بشكل الحكم الذى ينفذ شريعة الله:
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } [سورة التوبة 9/ 71]
"والذى نفسى بيده لتأطرنهم على الحق أطرا ولتقصرنهم عليه قصرا" [1] .
ولكن الخطر كل الخطر جاء من اقتران الأمرين معا في حياة المسلمين منذ العهد الأموى. الملك العضوض كما سماه الرسول - من جهة [2] ، وقعود الأمة عن مراقبة حكامها من جهة أخرى.
وأما قعود الأمة عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفى المجال السياسى، فربما كان بعضه اقتداء خاطئا بموقف الصحابة رضوان الله عليهم من الفتنة، وهو موقف طبيعى بالنسبة، لهم، ولكنه ليس قدوة يقتدى به في أمور مخالفة تماما للأمر الذى واجههم ووقفوا منه هذا الموقف. فقد كان سبب موقفهم هو الخوف من توسيع شقة الخلاف، أى الخوف من إحداث مفسدة. أما في موقف الأمة من حكامها الذن استتب لهم الأمر، فالمفسدة كانت هى السكوت عن نصحهم ومراقبتهم ومحاولة ردهم إلى الحق!
ولكن السبب الأكبر في هذا القعود، والذى تقع المسئولية فيه على الأمويين أنفسهم، هو عنف معاملة الأمويين لخصومهم السياسيين، مما أرهب الناس ن معارضة أى أمر يهمون به، وقضى على القواعد السياسية التى كانت جارية في عهد الخلافة الراشدة قبل أن تتأصل وتترسخ، وتصبح عرفا ملزما للحاكم والمحكوم على السواء.
وأيا كانت المعاذير التى احتج بها الأمويون لتبرير ذلك العنف الذى سلكوا طريقه، فقد كان هذا من البدايات الخطيرة لخط الانحراف الذى زاد اتساعا على الزمن وزاد بعدا عن الطريق السوى الذى سلكه الخلفاء الراشدون رضوا الله عليهم.
أمر ثالث بدأ فيه الأمويون انحرافا آخر في خط سير الأمة المسلمة، هو البحبحة في أموال بيت المال على غير النسق الذى سار عليه الخلفاء الراشدون.
لما تولى عمر رضى الله عنه فرض له المسلمون دارهم من بيت المال يقوت بها عياله، فلما استطاعت زوجته رضى الله عنها أن توفر له من القوت اليومى الضئيل ما تصنع له به فطيرة في نهاية الأسبوع، قال لها: ما دمت استطعت توفيرها فهى زيادة! رديها إلى بيت المال!
(1) رواه أبو داود والنرمذي.
(2) قال:"الخلافة بعدي ثلاثون عامًا ثم يأتي الملك العضوض"أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 269) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.