فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 436

وقد كان هذا ناشئا عن حساسية في ضمير عمر رضى الله عنه رباها فيه الإسلام، خشية أن يكون قد مس درهما واحدا من أموال المسلمين بغير حقه، وكانت هذه الحساسية نموذجا من الأعاجيب التى صنعها الإسلام في ضمير ذل الجيل الفريد. وكانت تطوعا نبيلا لم يفرضه الله على الناس فرضا، إنما حببهم في الصعود، فصعدوا إلى أعلى الآفاق. والهبوط عن هذا المستوى الشاهق الذى لا يقدر عليه إلا الصفوة إلى المستوى العادى الذى فرضه الله فرضا على عباده أمر لا يستغرب، ولا يستنكر، بل يحمد الناس إذا التزموه ولم يهبطوا عنه، لأنه هو الحد الذى علم الله أن تستقيم به الحياة البشرية في عمومها، ومن شاء بعد ذلك أن يرتفع فله عند الله أجر المسحنين.

ولكن الذى حدث على يد الأمويين لم يكن مجرد الهبوط عن المستوى الشاهق إلى المستوى العادى، بل وقعت منهم مخالفات لما أمر الله به في توزيع الصدقات:

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) } [سورة التوبة 9/ 60]

لقد تبحبح الأمويون فأخرجوا من بيت المال عطايا وهدايا يؤلفون بها القلوب لهم ولحكمهم ولدولتهم ...

وأقصى ما يمكن أن يقال في محاولة تبرير هذا الأمر أنهم تأولوا فأخطأوا، فاعتبروا تأليف القلوب لهم داخلا في مصارف بين المال لأنهم هم دولة الإسلام، وتثبيتهم تثبيت للإسلام في النهاية.

وهو تأول بعيد حتى لو صح أنهم قصدوه على هذا النحو، لأن المؤلفة قلوبهم يعطون ليدخلوا في دين الله لا ليدخلوا في الولاء لحاكم من الحكام.

ولو جاز للأمويين أن يتألفوا القلوب لدولتهم ولحكمهم، ويرضوا نفوس المعارضين لهم، فمن أموالهم الخاصة، وكان لديهم مال وفير يملكون به شراء من أرادوا شراءه من المعارضين. أما أن يتحببوا إلى الناس على حساب أصحاب الحقوق، فأمر لا يجوز في عرف الإسلام. فضلا عن كونه سنة سيئة اتبعها من بعدهم، وزاد حجمها وأهداف استخدامها سوءا مع مرور الأيام.

وأمر رابع، ربما لم يكن في نظر الأمويين انحرافا، وربما لم يثر اعتراض أحد من المسلمين يومئذ، هو الحرص على"عروبة"الدولة إزاء الفرس بصفة خاصة، بمعنى إبعاد الفرس المسلمين عن تقلد مناصب الدولة، والضغط المستمر عليهم لإشعارهم أنهم دون العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت