فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 436

وربما رأى الأمويون المبرر لهذا التصرف واضحا أمام أعينهم. فقد كان الفرس من قبل ينظرون إلى العرب نظرة احتقار وازدراء، مبعثها أنهم دولة ذات عراقة تاريخية وهيلمان، بينما العرب هم أولئك الحفاة الجفاة المتخلفون بكل مقياس من مقاييس"الحضارة"المادية التى وصل فيها الفرس إلى درجة الإفراط.

فلما جاء الإسلام تغيرت المعايير والمقاييس كلها، وذهب ربعى بن عامر مستعليا بالإيمان، يدوس أبسطتهم بأقدام حماره، وينظر إليهم نظرة المؤمن إلى الجاهلية، ويدعوهم إلى الدخول في الإسلام دعوة المستيقن أنه هو الأعلى وهو الأدنون.

ثم دار القتال العنيف الرهيب بين أولئك الحفاة الجفاة الذين تغيروا بين عشية وضحاها فصاروا"خير أمة أخرجت للناس"وبين الفرس أصحاب القدرة الحربية الهائلة والجيوش الضخمة والتقاليد العريقة والسلطات التليد. فلم تثبت هذه كلها أمام قوة الحق وقوة الإيمان التى انطلقت بها العصبة المؤمنة، تدل حصون الجاهلية دكا وتسويها بتراب الأرض، وتشيد في مكانها صرحا من نوع آخر، أساه لا إله إلى الله، محمد رسول الله.

ودخل الفرس في دين الله بعد هزيمتهم الحربية التى ما كانوا يتوقعونها على يد العرب بالذات، وبعد زوال الملك الممتد الجذور في التاريخ، الذى لم تغنه جذوره العميقة في معركة الحق، فانهار كأنما في لحظات.

ولكن الجيل الأول ولا شك كان ينطوى على ضغينة هائلة للعرب الفاتحين، حتى وإن كان قد دخل في الإسلام. فلو أن الفرس غلبوا أمام الروم، فهما ندان يتصارعان، ولا بأس على أحدهما أن يتلقى من الآخر لطمة قوية، فإنه يمنى نفسه أنه سيعود فيتغلب عليه في الجولة القادمة! أما العرب .. ! وأما هذا الاكتساح الذى أزل كل شئ كأن لم يكن له وجود من قبل! فهذه لم يكن هينا على الفرس أن يبتلعوها في الجيل الأول، الذى شهد أمجاد العز وذلك الانكسار.

ومن هنا قال الأمويون لأنفسهم حين تولوا الحكم إنه لابد من كبت هؤلاء حتى لا يرفعوا رءوسهم من جديد! ومن هنا كان حرصهم على"عروبة الدولة"بمعنى عدم السماح للفرس أن يتسللوا إليها من أى سبيل.

وما نستطيع أن نحكم الآن وقد انطوت تلك الصفحات العديدة من التاريخ، هل كان دافع الأمويين خالصا لحفظ دين اله من أن يتسلل الحاقدون إليه فيفسدوه، أم كان هذا الأمر في أنفسهم مختلطا"بالعروبة".. لابمعناها الشائه الذى وجد في العصر الحديث بطبيعة الحال في صورة القومية العربية الكافرة المنسلخة من الدين، لكن بمعنى أن العرب هم حملة هذه الرسالة، وهم الذين ينبغى أن تكون لهم الهيمنة على شئونها لتحفظ على صورتها الحقة بغير تحريف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت