فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 436

وأيا ما كان الأمر فإن الفرس على يد الأمويين لم يحسوا بالتطبيق الحق لقوله تعالى:

{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [سورة التوبة 9/ 11]

ولئن كان الجيل الأول كان ينطوى على الحقد والضغينة، فإنى أحسب أن الأجيال التالية لو وجدت الروح الإسلامية الحقة، روح الأخوة المبذولة من المؤمنين لإخوانهم، لزوال ما كان في قلوب آبائهم من ضعن، ولأخلصوا دينهم لله، ولم يرثوا هذا الضغن ويحافظوا عليه، ويسعوا إلى الإفساد من الداخل، كما فعل الذين نطلق عليهم اسم"الشعوبيين"الذين قاموا"بالانقلاب"العباسى ضد الدولة الأموية، وهو انقلاب فارسى في الحقيقة وإن كان الحكم قدظل للعرب فترة من الوقت في الظاهر على الأقل ثم نشروا سمومهم الشعوبية من داخل الدولة كما فعل ابن المقفع، أ نشروا الفسق والفجور في المجتمع كما فعل بشار وأبو نواس.

لقد كانت"الشعوبية"الفارسية هى رد الفعل للكبت الذى زاوله الأمويون على الفرس، حتى وإن يكن بحسن نية، وحرصا خالصا على الإسلام!

ثم جاء العباسيون ..

لم يجيئوا بطبيعة الحال ليعيدوا عهد الخلفاء الراشدين!

إنما جاءوا ليركبوا الخط المنحرف الذى بدأه الأمويون ثم يزيدوا في الانحراف، كما هى السنة الربانية حين تقعد الأمة في مجموعها عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأطر الحكام على الحق أطرا وأصرهم عليه أصرا ..

لقد كان حجم الانحراف على عهد الأمويين محدودا على أى حال، وإن بدا مجسما غليظا حين يقاس بعهد الذروة الذى يبدو بجانبه كل شئ قزما حين يقاس إليه!

لقد بقى لمجموع الأمة - ودع عنك الحكام - صدق إيمانها، وجدية الأخذ من الكتاب والسنة، وصدق الجهاد في سبيل الله. وبقى لها تحقق معنى الأمة، وبقيت. في مجموعها تتعامل بأخلاقيات لا إله إلا الله، وبقى لها وفاءها بالمواثيق .. وفى العموم بقيت روح الإسلام هى السارية في الأمة، السائدة فيها، وإن كان قد غشيها من انحراف الحكام غاشية في بعض معانى الإسلام، فلم تعد ترى العدل الربانى يتحقق كما كان يتحقق أيام الجيل المتفرد، بسبب ظلم الحكام، ولم تعد من جانبها حريصة على مراقبة حكامها كما كان يفعل ذلك الجيل، على الرغم من أن حكامه كانوا يقومون بمراقبة أنفسهم قبل أن تراقبهم رعيتهم!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت