فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 436

واتسعت الفتوح الإسلامية حتى دق المسلمون أبواب القسطنطينة، وامتد الإسلام إلى الهند شرقا وإلى الشمال الإفريقى غربا، وقويت دولة الإسلام حتى أصبحت قوة يرهبها أعداءها ويعملون لها ألف حساب .. وغلب الخير على الشر في ذلك المجتمع، وبقيت مظالم الحكام ومخالفاتهم محصورة في دائرتهم، بينما ينعم المجتمع في مجموعه بنعم الإسلام، وبالأمن والطمأنينة والاستقرار، الذى تولدت عنه الحركة العلمية والحركة الحضارية كما أسلفنا من قبل.

فأما على عهد العباسيين فقد بقيت الانحرافات الأموية كلها، وزادت حدتها، ثم أضيف إليها انحرافات من نوع جديد.

فأما الملك الوراثى العضوض فقد بقى، مع إضافة مزيد من الخروج على الخط السوى، فلئن كان الأمويين قد حرصوا من أجل تثبيت دولتهم وتمكينها أن يختاروا من بينهم أصلحهم وأقدرهم، فإن العباسيين جعلوه وراثيها بحتا، يتولونه بالدور، ولو جاء الدور على صبى في العاشرة أو الثانية عشرة! مما أثر على قوة الدولة ذاتها بصرف النظر عن المعانى الإسلامية في مجال السياسة فضلا عما جرى من المؤامرات الرهيبة من أجل ولاية العهد أو من أجل تولى الملك، مما تقشعر له الأبدان! وفضلا عن اضطرار الحكام بعد ضعف سلطانهم إلى الاعتماد على غيرهم والترك بصفة خاصة، مما أدى إلى تسلط هؤلاء، وإفساد كل القيم السياسية الإسلامية على الإطلاق!

وأما العنف في معاملة الخصوم السياسيين، الذين بدأه الأمويون، فقد تزايدت حدته، وتحول إلى مذابح بشعة لا يتصور صدورها عن مسلمين!

وأما البحبحة في بيت المال، التى بدأها الأمويون كذلك، فقد وصلت بعد زيادة الأموال في العهد العباسى من الزكاة والخراج والموارد الأخرى إلى صورة لا تخطر على البال. فلئن كان الأمويون قد أعطوا المعارضين ليسكتوهم ويستميلوهم إليهم، ويشتروا ود من يجدون في كسبه إلى صفهم تأييدا لسلطانهم .. فقد كان الخليفة العباسى لا يجد حرجا في صدره أن يجيئه شاعر من: المداحين الذين قال عنهم رسول الله:"إذا رأيتهم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب" [1] فيأمر له لقاء أبيات في مدحه بمائة ألف من بيت مال المسلمين!

أما"الجماهير"التى ثارت ذات يوم على عثمان رضى الله عنه من أجل مخالفات ضئيلة تأول فيها عثمان بغير منهج الشيخين من قبله، فقد صارت ترى هذا العبث الماجن ببيت مال المسلمين ولا تحرك ساكنا له، كأن الأمر لا يخصها على الإطلاق!

(1) أخرجه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت