فهرس الكتاب
فإذا كانت هذه الانحرافات التى بدأت أيام الأمويين، وبقيت وزادت حدتها على يد العباسيين، فق أضيفت إليها بحكم عوامل جديدة انحرافات أخرى خطيرة أودت بالحكم العباسى في النهاية، وما زالت آثارها أو أثار منها سارية في جسم الأمة حتى هذه اللحظة، تنتظر من يبرئها منها حتى تستطيع أن تبعث من جديد.
ظهرت فتنة"الفرق".
ولئن كان الخوارج قد ظهروا من قبل في عهد على رضى الله عنه واستمروا في العهد الأموى، وظهر المرجئة رد فعل لظهور الخوارج، وكان أمر هؤلاء وهؤلاء منبعثا من فتنة مقت لعثمان والقتال الذى دار بين على ومعاوية، فقد تفشت الفرق تفشيا ذريا في العصر العباسى، وكانت لها منابع خارجية في هذه المرة إلى جانب المنابع الداخلية.
لقد نشطت الحركة العلمية في العصر العباسى، ونشطت معها حركة الترجمة ن الإغريقية واللاتينية، وكان فيها الكثير النافع الذى تحتاج إليه الأمة بالفعل، ولكن المسلمين انخدعوافى لون من الفكر حسبوه نافعا لهم فنقلوه إلى العربية فكان منه شر كثير، ألا وهو الفلسفة الإغريقية.
لقد كانت تلك الفلسفة فكرا جاهليا رغم كل إشراقاته وكل تجلياته. وما كان ينبغى لهذا الفكر الجاهلى بحال من الأحوال أن يمتزج بالإسلام، ذلك النور الربانى الخالص الذى يشرق بذاته، من مصدريه الأصيلين الصافيين، كتاب الله وسنة رسوله -، والذى عاش على إشراقته ذلك الجيل المتفرد فكان كما كان.
وأسوأ ما في ذلك الفكر هو عقلانيته التجريدية التى تحول كل شئ إلى فكرة مجردة باردة لا حياة فيها ولا حركة، فضلا عن تضخيم دور العقل حتى يصبح هو الحكم الأخير في كل أمر من الأمور [1] .
وقد أصاب هذا الفكر المسيحية فأنشأ فيها ما يسمى"اللاهوت"وهو محاولة عقيمة للتوفيق بين خزغبلات الكنيسة العقدية من التثليث، والبنوة المزعومة لله سبحانه وتعالى، وفكرة الخطيئة الأبدية، والصلب والفداء .. إلخ، وبين الفلسفة الإغريقية.
ولئن كان النصارى في محاولتهم لإضفاء العقلانية على تلك الخزعبلات التى لا يستسيغها العقل قد لجئوا إلى الفلسفة الإغريقية لعلها تعنيهم، فتخبطوا، وفشلوا، وظل لاهوتهم يحمل ذات الخلط الذى تحمله
(1) انظر إن شئت فصل"العقلانية"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".