فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 436

مقررات المجامع"المقدسة"، فما كان المسلمون في حاجة إلى مثل هذا السلوك، وهم الذين يحملون النور الصافى من منابعه الصافية المستغنية بذاتها عن كل مدد من خارجها ليس من طبيعتها.

ولكن الفتنة بالفلسفة من جهة، وفتح الخلفاء العباسيين المجال من جهة أخرى للمناظرة بين علماء المسلمين وبين اليهود والنصارى في أمر الإسلام، جعل"المثقفين"فى ذلك العصر يتجهون إلى الفلسفة الإغريقية لتعينهم في هذا الجدل، حتى أصبحت هى"المودة"الفكرية للعصر كله.

ومن لوثة الفلسفة الإغريقية والعقلانية الإغريقية نشأت فرق كثيرة وتخبطات كثيرة في فكر المسلمين.

ويذكر الناس المعتزلة نموذجا للغزو الفكرى الإغريقي في فكر المسلمين، حيث جعلوا العقل هو المحكم في الوحى، وجعلوه هو المرجع الأخير في كل أمر من الأمور حتى العقيدة.

ولكن المعتزلة لم يكونوا وحدهم الذين تأثروا بالعقلانية الإغريقية وانحرفوا بها عن عقيدة الإلام الصحيحة، فكل الذين خاضوا في قضايا الصفات من"المتكلمة"وفى قضايا القضاء والقدر والجبر والاختيار .. كان اعتمادهم فى"الكلام"الذى قالوه، على تلك العقلانية التى تعطى العقل أكبر من حجمه الحقيقى، وتجعله هو المرجع وهو الحكم في كل قضايا الوجود، فانزلقوا إلى تصورات لا هى إسلامية صافية، ولا كانت العقيدة الإسلامية الواضحة البسيطة السمحة في حاجة إلى شئ منها، ولا هى قدمت أى خدمة لتلك العقيدة، بل حولتها من تصور صاف ووجدان هى وسلوك عملى يقصد به مرضاة الله، إلى قضايا ذهنية تجريدية باردة، لا تزيد الإيمان إن لم تبعث على إثارة الشكوك والشبهات المناقضة للإيمان، ولا تحرك الوجدان، ولا تؤدى إلى سلوك واقعى، لأن من شأن العقلانيات أن تبدأ في الذهن وتنتهى في الذهن، وتجد تحقيق غايتها في ذلك الجهد الذى يبذله الذهن، دون أن تخرج من هذه الدائرة المغلقة إلى الواقع الحى عن طريق الوجدان والسلوك. وورث العالم الإسلامى - مع الأسف - ذلك التراث الإغريقى - وأن لبس ثوبا إسلاميا - على أنه"العقيدة الإسلامية"أو على أنه"الدراسة العلمية للعقيدة الإسلامية"كأن أصحاب رسول الله - لم يكونوا"هم"أصحاب هذه العقيدة وأكثر الناس فهما لها وقربا من حقيقتها .. دونما حاجة إلى هذه المعاظلات الذهنية الباردة السخيفة. وما زال هذا التراث الإغريقى في ثوبه الإسلامى المزيف هو الذى انقدم من خلاله العقيدة الإسلامية للدارسين في كل معاهدنا الإسلامية من المحيط إلى المحيط!

وهذا كل فضلا عن"الفرق الباطنية"التى انتشرت في العصر العباسى بصفة خاصة، ومدت لها جذورا في الأرض الإسلامية، وكونت دولا أو دويلات، وشغلات المسلمين بمحاربتهم ومطاردتهم بضعة قرون،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت