فهرس الكتاب
شياطين الإنس والجن في كل جاهلية، وإنشاء النظام الربانى بدلا منه، بعقائده الصحيحة، ونظامه القويم المؤسس على شريعة الله، وأنماط سلوكه المستمدة من أخلاقيات لا إله إلا الله، المحكومة بميزان الله؟!
ثم كيف يحافظون على النظام الربانى، بعد إنشائه من عدوان الجاهلية الدائم، ومحاولتها الدائبة لنقض النظام الربانى، وإقامة حكم الطواغيت بدلا منه، بوسائلها الدائمة التى تستخدمها، من عدوان بالجيوش، وعدوان بالأفكار الباطلة والمعتقدات، وعدوان بالأنظمة التى لا تحكم بما أنزل الله، وعدوان بالأنماط المبتدعة من السلوك؟!
كل ذل يتم بمجرد التصديق بالقلب والإقرار باللسان؟!
يا لها من مهزلة مذهلة حين تلصق بالإسلام!!
وكيف يستقيم هذا مع قوله تعالى:
{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) } [سورة النساء 4/ 123 - 124]
بل كيف يستقيم مع تعاليم القرآن كلها من مبدئها إلى منتهاها، التى توجه الناس للاعتقاد الصحيح، والعمل بمقتضى ذلك الاعتقاد الصحيح؟!
ومن أين إذن جاء الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبعهم بإحسان بهذه"الممارسة"الهائلة لهذا الدين في عالم الواقع، وهى على ما يقول الفكر الإرجائى خارجة من مسمى الإيمان، لأنها كلها"عمل"بالجوارح وبالجنان؟! هلى قاموا بها تطوعا زائدا من عند أنفسهم لم يكلفهم به الله؟! أم قاموا بها لأنها هى حقيقة هذا الدين، الذى لا تقوم له بغيرها حقيقة في واقع الأرض ولا عند الله؟!
ثم خذ الواقع البشرى نفسه، وظواهر النفس الإنسانية كما خلقها الله.
أيمكن أن يكون في النفس السوية إيمان بشئ، ثم لا يكون في واقع حياتها شئ يدل على هذا الإيمان؟ إلا أن يكون إنسان قد أصيب"بانفصام الشخصية"وهى حالة غير سوية، تسقط عن صاحب التكاليف.
حقيقة إنه يمكن أن يكون هناك إيمان، ويصاحبه عمل مناقض لمقتضى ذلك الإيمان، نتيجة ضغط الدوافع النفسية التى قال عنها الله سبحانه وتعال إنها شهوات مزينة للناس:
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [سورة آل 3/ 14] .