فهرس الكتاب
ولكن هذا الأمر لا يتم بلا سبب وبلا دلالة!
فأما سببه كما بينا فهو هذا الضغط الواقع على نفس الإنسان من دوافعه المركبة فيه.
وأما دلالته فهو أن الإيمان لم يكن من القوة بحيث يقف لهذه الدوافع ويتغلب على دفتها الحادة.
وهنا تحدث المعصية التى لا تنتقى أصل الإيمان، ولكنها تحدث في غيبة مؤقتة عن تأثير هذا الإيمان كما وصفها الرسول:"لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن .." [1] .
ومن هنا يكون هناك ارتباط وثيق بين قوة الإيمان وضعفه، وبين العمل الذى يقوم به الإنسان في أى لحظة من لحظاته: أهو طاعة أم معصية؟ وأى درجة من درجات الطاعة، وأى درجة من درجات المعصية؟
ويخلص لنا من هذا كله حقيقتان:
أن العمل مرتبط بالإيمان.
وأن الإيمان يزيد وينقص. يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصى (ينتفى تماما إذا خالطه الشرك الأكبر) .
وتلك هى الحقيقة - النفسية والدينية - التى عبث بها الفكر الإرجائى حين اخرج العمل من مسمى الإيمان، واعتبر الإيمان هو مجرد التصديق، أو هو التصديق والإقرار في أحسن الأحوال [2] .
وما من شك أن هذا الفكر كان في مبدئه عدوى من الفلسفة والمنطق البعيدين عن روح هذا الدين. وأنه كان عند"علماء"المرجئة الأوائل مجرد"أفكار"تجريدية تدور فى"الأبراج العاجية"ولا تتصل بالواقع! فقد كانوا هم أنفسهم من الأتقياء الفضلاء العالمين بمقتضى بهذا الدين في واقع حياتهم، فلا هم تقاعسوا عن العمل ولا دعوا إلى التقاعس عنه. بل إنهم حين كانوا يكتبون في الفقه، كانوا يكتبون بوعى كامل أن هذا الدين اعتقاد وعمل لا ينفصلان. ولكنها لوثة الفلسفة والمنطق والأبراج العاجية التى يحدث فيها ما يحدث من الخلل والانحراف والاضطراب.
ولكن خطورة هذا الفكر تزايدت مع امتداد الزمن، وبدء التفلت من التكاليف ..
إن التفلت من التكاليف كما أشرنا من قبل أمر بشرى طبيعى:
{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) } [سورة طه 20/ 115]
وهذا المرض البشرى له علاج ربانى مذكور في كتاب الله:
{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) } [سورة الذاريات 51/ 55]
(1) سبقت الإشارة إليه.
(2) انظر إن شئت فصل"مفهوم لا إله إلا الله"من كتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح".