فهرس الكتاب
رءوس الصحابة رضوان الله عليهم عن الخروج إلى البلدان للتجارة، وأبقاهم إلى جواره وليعاونوه في المهمة التى انتدب لها وهى إقامة حكم الله في الناس.
أما في أواخر العهد الأموى، وأما في العصر العباسى بصورة خاصة، فقد كان المال مفسدا إلى حد الإتلاف [1] .
فأما الأسرة الحاكمة فقد كان لها"مخصصات"من بيت المال ينفقون منها ما ينفقون على مستوى البذخ المبالغ فيه، ومع ذلك يفضل منها ما يدعو إلى إنشاء"بيت المال الخاص"! تتراكم فيه الأموال عاما بعد عام!
وكان الوزراء من أموالهم الخاصة ومما يهب لهم الخلفاء والأمراء يعيشون في ذات الجو الباذخ الذى تعيش فيه الأسرة الحاكمة، وكانت ثروات التجار خرفية حقا بالقياس إلى ثراء العالم كله في ذلك الحين، إذ كانت التجارة العالمية في وقتها في أيديهم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وتكفى رحلات السندباد وإن تكن أسطورة لإعطاء صورة عن عالم التجار في ذلك الحين [2] .
وهكذا امتلأت الجيوب وفاضت بالنقود، بينما القلوب تغفو، والأيدى ترخى قبضتها من حبل الله المتين، لذلك انتشر الترف المفسد الذى تروى عنه كتب الأدب وكتب التاريخ.
خذ هذا النموذج من الترف في المشرق الإسلامى:
"كان العباسيون يعنون عناية فائقة بحفلات الزواج. ويتجلى إسراف خلفاء العصر العباسى الأول وبذخه مما فعله المهدى عند زواج ابنه هارون (الرشيد) بالسيدة زبيدة. فقد أقام يوم زفافها وليمة لم يسبقه إليها أحد في الإسلام، ووهب للناس في هذا اليوم أوانى الذهب مملوءة بالفضة وأوانى الفضة مملوءة بالذهب والمسك والعنبر، وزينها بكثير من الحلى والجواهر، حتى إنها لم تقدر على المشى لكثرة ما عليها من هذه الحلى والجواهر".
"ويقول الشابشتى إن المأمون أمهر بوران 100.000 (مائة ألف) دينار و 50.000.000 (خمسين ألف ألف) درهم أى أكثر من نسف مليون دينار، وأنه أوقد بين يديه في تلك الليلة ثلاث شمعات عنبر، وكثر دخانها فقالت زبيدة: إن فيما ظهر من السرف الكفاية، ارفعوا هذا الشمع العنبر وهاتوا الشمع. ولما جليت بوران على المأمون نثر عليها حبارا كان في كمه، فوقع على حصير منسوج من الذهب فقال: لله در السحن ابن هانى، حيث يقول:"
(1) وشبيه به ما حدث في الأندلس كذلك.
(2) شخصية السندباد أسطورية وكذلك رحلاته, ولكنها ترمز إلي واقع كان قائمًا بالفعل.