فهرس الكتاب
حبة من الجواهر لا يعرف لها قيمة، ومائة هون من الذهب لدق الطيب، وألف تكة ثمن الواحدة منها عشرة دنانير. وقد أمر خمارويه بعد أن فرغ من الجهاز بأن يبنى على رأس كل مرحلة قصر أشبه بالمنزل أو مكان الاستراحة تنزل فيه وهى في طريقها إلى بغداد. وأعدت هذه القصور بكل ما تحتاج إليه، فكانت في سفرها تتمتع هذا العرس فلم نقف عليه في مصدر من المصادر التى رجعنا إليها. وقد ذكر ابن خلكان (جـ1 ص 174) أن صداقها كان مليون درهم. وليس هذا بالشئ الكثير بجانب ما أنفق على تجهيزها، إذا علمنا أن ابن الجصاص الجوهرى الذى عهد إليه بإعداد الجهاز نال جائزته وهى أربعمائة ألف دينار بقيت بعد إعداد كل ما تحتاج إليه العروس"."
وهذا النموذج من الأندلس:
"ومن قصور الأمويين في الأندلس القصر الذى بناه المأمون بن ذى النون بطليطلة، وقد انفق على بنائه أموالا ضخمة، وجعل في وسطه بحيرة في وسطها قبة من زجاج ملون منقوش، وجلب الماء إلى القبة بحيث كان ينزل من أعلاها ويحيط بها من كل جوانبها، فكانت قبة الزجاج في غلالة مما سكب خلف الزجاج لا يفتر من الجرى، والمأمون قاعد فيها لا يمسه من الماء شئ ولا يصله، وتوقد فيها الشموع فيرى لذلك منظر بديع عجيب .." [1] .
تلك مجرد نماذج سريعة من الترف والسرف في حياة العباسيين في المشرق والأمويين في الأندلس، وغيرها كثير كثير .. مما أصاب الناس بالترهل والاستغراق في متاع الأرض.
وبدأت"الحضارة"تنحرف عن مفاهيمها الإسلامية ..
حقا لقد أبدعت هذه الحضارة في المشرق العباسى والمغرب الأموى (فى الأندلس) بدائع العمارة ما تزال آثار منها باقية حتى اليوم، تشهد بالبراعة الفائقة، والتقدم في الهندسة والتكنولوجيا وغيرها من العلوم، ولكن جنوحها إلى الترف، وشغلها الناس بالحياة الدنيا عن الآخرة، وبالتاع الحسى عن مقتضيات الجهاد في سبيل الله.
لم يكن يسير مع روح الإسلام، إنما كان انحرافا أدى إلى نتائجه الحتمية بعد فترة من الزمان [2] .
(1) المرجع السابق ج3 ص457 - 458.
(2) ليس معني هذا بطبيعة الحال أن كل مجالات الحضارة قد انحرفت أو أنها انحرفت دفعة واحدة, فقد بقي خير كثير - كما سيجئ - لأنه ظل محتفظًا بالقيم الإسلامية, ولكن - في النهاية - حين غلب الانحراف علي الأصل وقع الانهيار الحتمي حسب سنة الله.