فهرس الكتاب
ولقد صاحب هذا الترف - وكان جزءا منه - فتنتان أخريان، إحدهما هى كثرة الجوارى، والثانية هى الجوارى المغنيات اللواتى ملأن قصور الخلفاء والأمراء والوزراء والأغنياء من التجار ..
لقد تدفقت الجوارى على العالم الإسلامى بحكم الحروب القائمة بينه وبين أعدائه، وأصبحن تجارة رائجة في الأسواق. ومع صلامة الصل في وجودهن، فإن روح الترف التى سادت المجتمع جعلت وجودهن يضيف إلى الترف ترفا وإلى الفساد فسادا. وأصبحت فتنتهن كفتة المال.
وأخطر ما كان من أمرهن على أى حال هو الدور الخبيث الذى لعبته في قصور الخلفاء والأمراء والوزراء، ففضلا عن روح"اللهو"التى سادت هذه القصور وجودهن، وشغلت أصحابها عن جديات الأمور ومعاليها، فقد كان بينهم يهوديات ونصرانيات ينطوين على حقد خبيث على الإسلام، وينطلقن من هذا الحقد وهن في داخل القصور إلى أثار الفتن والمؤامرات والدسائس التى تشغل الحكام بمشكلاتهم الخاصة عن سياسة الرعية ومسئوليات الحكم الكبرى التى ينبغى أن يشغل نفسه بها كل قائم بالحكم، فضلا عن الحاكم المسلم الذى يطبق شريعة الله!
وفى جو الترف العام، وفى وجود الجوارى بأعداد وفيرة، وجدت الظاهرة الأكثر إفسادا وأكثر تلهية وهى التى أطلق عليها في تاريخ الأدب ظاهرة"الجوارى المغنيات"وكانت فتنة منطقية في وجودها وفى آثارها مع الجو العام السائد في ذلك الحين .. فما ام"الطرب"مباحا في القصور، والغناء جزء من الطرب، وإذا كان من أنثى فهو أكثر إطرابا، فقد أصبحت هناك"صناعة"يتعيش منها ناس في ذلك المجتمع، هى البحث عن الجوارى ذوات الصوت الصالح للغناء، وتدريبهن عليه، وتحفيظهن ما يطربن به الرجال، ثم بيعهن، أو الاحتفاظ بهن عند مدربهن لإدارة حفلات الطرب في بيته أو في قصر من قصور المترفين واللاهين.
ويمتد الطرب من العشاء إلى ما بعد منتصف الليل مع الشراب أو بدونه، وغالبا ما يكون معه، ويتلهى الناس عن ذكر ربهم وعن ذكر الجهاد في سبيل الله، ويقومون الصباح إن قاموا يحلمون بالمزيد من الطرب والمزيد من الحفلات.
وكان حتما بعد ذلك أن يحدث الانهيار!
حقيقة أنه لم يحدث دفعة واحدة، فقد استغرق أكثر من قرنين من الزمان، وحتى حين انهارت الدولة فإن الإسلام لم يزل من الأرض، وذلك لعدة عوامل ينبغى أن توضع في الحساب.
لقد بدأ الفساد في العاصمة بغداد في قصور الخلفاء والأمراء أولا، ثم في قصور الأغنياء عامة، حتى أصبح"عملة سارية"فى العاصمة لا ينكره أغلب الناس سواء شاركوا فيه أم لم يكن لهم فيه نصيب. ولكن