فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 436

بقية الأرض الإسلامية لم تكن متأثرة بهذا الفساد المحلى في بادئ الأمر، لأنها كانت ما تزال تمارس الإسلام بالجدية التى يقتضيها الإيمان بدين الله.

ثم أخذ الفساد يمتد من عاصمة الخلافة إلى عواصم الأقاليم بالعدوى .. وتلك سنة ربانية تجعل الفساد"يظهر"فى الأرض حين يتقاعس الناس عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهو ماكان حادثا في المجتمع العباسى.

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) } [سورة الروم 30/ 41]

وحين لا يجعون يظل الفساد ينتشر ويتأصل حتى يحدث الإنهيار.

وقد ظل الفساد في أكثر من ميدان ينتشر ويتأصل، ويأكل كل حين قطاعا جديا من المجتمع حتى انهارت الدولة العباسية على يد التتار، كما انهارت الأندلس في الغرب على يد الصليبيين.

ولكن"الإسلام"كان باقيا ما يزال ..

كانت جذوره العقيدة حية في النفوس .. علاها الرماد نعم بتأثير المعاصى والبدع والمنكرات، والإنصراف عن الجد الواجب في أخذ الدين، ولكنها حية. تنتظر من ينفخ الرماد عنها لتشتعل من جديد .. فما إن جاء صلاح الدين يقول للناس إنكم هزمتهم أمام الصليبيين لأنكم ابتعدتم عن الله، ولن تنصروا حتى تعودوا إليه .. وما أن جاء قطز يصيح صيحته المشهورة: وإسلاماه! حتى اشتعلت الجذوة من جديد، وانتصر المسلمون على الصليبيين في مصر والشام، وكانت القمة"حطين"، وانتصروا على التتار فى"عين جالوت"التى كانت بدء تحول ضخم في التاريخ، هو دخول التتار أنفسهم في الإسلام، وتحولهم فيما بعد إلى جند من أصلب المدافعين عن الإسلام!

انهارت"الولة"العباسية لأنها كانت أفسد من أن يقومها الإصلاح، ولكن"الأمة الإسلامية"كانت ما تزال تزخر بخير كثير على الرغم من كل عناصر الفساد التى تسربت خلال الحكم العباسى، فكانت قمينة بأن تعيش عدة قرون أخرى وتمثل جولة جديدة في التاريخ.

وانهارت"الدولة"الإسلامية في الأندلس، وطرد المسلمون بوحشية بالغة، وانمحى الإسلام من الوجود في تلك البقعة من الأرض بعد تعذيب وحشى قامت به محاكم التفتيش زهاء قرنين كاملين من الزمان .. ولكن برزت إلى الوجود في مكان آخر دولة إسلامية جديدة فتية قوية بقيت ممكن في الأرض زهاء خمسة قرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت