فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 436

ولكن قبل أن نتحدث عن دولة الخلافة الثالثة بما لها وما عليها، ينبغى أن نذكر انحرافا آخر حدث في المجتمع العباسى، وظل باقيا بعد انهيار الدولة العباسية، بل إنه تغلغل في الدولة الجديدة منذ مولدها، وكانت له آثاره الخطيرة في حياة الأمة الإسلامية حتى انهارت تلك الأمة ذاتها في العصر الأخير.

ذلك هو الصوفية.

نشأت الصوفية رد فعل للترف الذى غشى المجتمع العباسى .. فإن"المتطهرين"من ذل المجتمع، الذين هالهم الفساد الذى يسرى في المجتمع من الترف والمجون، والانصراف عن ذكر الله وعن الآخرة، أردوا أن ينجوا بأنفسهم، فجمعوا أطراف ثيابهم وتسللوا من هذا المجتمع الفاسد، لعيشوا حياة نقية طاهرة .. مع الله.

وبصرف النظر عما دخل في الصوفية من أفكار، ودفعات يهودية ونصرانية وجوسية وهندوكية .. فما بنا أن ننكر أن دافعها الأصلى كان هو اعتزال الفساد السارى في المجتمع، والخلوص إلى حيث الطهارة والقاء.

ولكن الصوفية ذاتها نزعة منحرفة عن النهج الإسلامى الصحيح.

فلئن كان فيها نزوع إلى تزكية الروح وهو من الإسلام ونزع إلى الترفع عن متاع الأرض وهو من الإسلام ونزع إلى ذكر الآخرة وهو من الإسلام فإن فيها سلبية وانعزالية ليست من الإسلام، وإهمالا للحياة الدنيا ليس من الإسلام.

إن الصوفية في حقيقتها عملية"هروب"من مواجهة الواقع ومجالدته، هروب إلى"عالم خاص"من صنع الوجدان، ينعم فيه الإنسان"بمشاعر"القرب من الله وهما أو حقا فيقعد عن"العمل"اكتفاء بتل المشاعر التى تختصر له الطريق!

إن"الأعمال"وسيلة للقرب من الله. ولكن ما حاجة"الواصل"إلى الوسيلة وقد وصل بالفعل؟!

كذلك يقعد الصوفية عن العمل والكدح في واقع الحياة الدنيا، كما يقعدون عن مجالدة الواقع المنحرف لرده إلى سواء السبيل، ويكتفون بتلك المشاعر التى تخيل إليهم أنهم قريبون من الله، واصلون إليه، عائشون في حضرته، سابحون في نوره .. فلا يبتغون وراء ذلك شيئا لأنه ليس وراء ذلك شئ!!

إنها مشاعر يمكن بالفعل أن تستغرق حسن الإنسان فيغرق فيها ولا يفيق.

ثم إن التدريب الروحى يفتح للإنسان عالما من الأعاجيب. فكما أن التدريب الجسدى يعطى الإنسان قوة وقدرة، واستمتاعا بتلك القوة والقدرة، وكما أن التدريب العقلى ينشط الذهن ويسكبه قدرة على الاستيعاب والفهم، واستمتاعا بتلك القدرة كذلك، فكذلك التدريب الروحى يعطى الإنسان شفافية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت