فهرس الكتاب
بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) [سورة آل 3/ 14 - 16]
وفى الصوفية كذلك دعوى إلى الترفع عن متاع الأرض والاكتفاء منه بأقل القليل.
ولكن فيم تنفق الطاقة الهائلة المتجمعة في النفس من ممارسة هذا الترفع عن متاع الأرض؟
فى الإسلام تنفق الطاقة في تحقيق"القيم العليا"فى دنيا الواقع، وفى الصوفية تنفق في تحقيق تلك القيم في سبحات الروح وإشراقات الوجدان!
إحداهما تصلح الواقع بالفعل. تصلح الفرد والمجتمع، وترفعهما من الواقع الأدنى المتمثل في المجال الحسى الغليظ، إلى الواقع الأعلى الذى تنطلق فيه كل طاقات الإنسان: جسده وعقله وروحه، للقيام بمهمة الخلافة، وعمارة الأرض بمقتضى المنهج الربانى، التى هى حقيقية"العباد"بمعناها الشامل الواسع، والتى يتحقق بتحقيقها الكيان الأعلى للإنسان.
والأخرى تترك الواقع بكل ما فيه من سوء، لا تتعرض لإصلاحه، وتعزل عنه في محاولة لإصلاح الذات، محاولة قد تنجح في جانب من الجوانب هو الجانب الروحى ولكنها تفقد الإنسان توازنه الذى خلقه الله عليه وخلقه له، وتفقده واقعيته وإيجابيته، فضلا عن صرفه عن القيام بالتكاليف التى فرضها الله"ليقوم الناس بالقسط"وليخرج الناس من الظلمات إلى النور.
أرأيت لو أن طاقة كامنة يمكن بها استثمار قطعة واسعة من الأرض، تنزع منها حشائشها الضارة، وتحرثها وتسقيها، وتستنبت فيها البقول والأشجار، والورود والأزهار، ليعيش من حصيلتها مجموعة من الناس ويستمتعوا بطبيباتها، أنفقت في حرث ركن منعزل من الأرض، وترك سائرها لتنتشر فيه الحشائش والحشرات ويأوى إليه شذاذ الآفاق.
أى تبديد للطاقة .. وأى صرف للجهد عن الإصلاح؟!
ذلك مثل الصوفية في تبديد الطاقة البشرية وإن ظنت أنها تجمعها وتركزها!
ذلك مثلها في صرف الجهد عن إصلاح الحياة البشرية وإن ظنت أنها تقوم بالإصلاح.
إن الإنسان مهما فعل لن يستطيع أن يعبد الله على طريقة الملائكة: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (20) } [سورة الأنبياء 21/ 20]
والله من حكمته ورحمته لم يكلف الإنسان أن يعبد الله على طريقة الملائكة، وإلا لخلقه ملكا منذ البدء، نورا شفافا بلا جسد طينى ينزع، ولا فكر ينشغل بأمور الحياة.