فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 436

ولكنه، من حكمته ورحمته، وقد خلقه من قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله، وجعل له جسدا يتحرك بالرغبة، وعقلا ينشغل بالتفكير، وروحا طليقة ترفرف، كلفه عبادة من نوع خاص غير الملائكة من ناحية، والعجماوات والجمادات من ناحية أخرى. عبادة يجتمع فيها كيانه كله: جسده وعقله وروحه. وجعل كل نشاط جسده عبادة، وكل نشاط عقله عبادة، وكل نشاط روحه عبادة، إذ توجه بذلك كله إلى الله، والتزم فيه بما أنزل الله:

{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ ... } [سورة الأنعام 6/ 162 - 163]

وحين يفعل ذلك فهو في أعلى حالاته، وأقربها إلى الله، وأجدرها برضا الله.

ودليلنا هو أعبد عبد لله، أعظم بشر خلقه الله، محمد -

"ألا أنى أعبدكم لله، ولكنى أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى" [1] .

هل يستطيع بشر بعد هذا النص أن يزعم أنه أعبد له من محمد رسول الله؟!

فيكف كانت عبادته -؟!

فأما خولته مع ربه، فقد كانت يتعبد حتى تتورم قدماه الشريفتان، فتقول له عائشة رضى الله عنها: هون عليك يا رسول الله فقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر: فيقول - قولة العابد الواصل في العبادة إلى الأعماق: أفلا أكون عبدا شكورا؟! [2]

ومع ذلك .. فكيف كان -؟

كان أكبر طاقة إيجابية عرفتها الأرض ..

فى الجهاد في مجال الدعوى. في القتال في سبيل الله. في تربية أصحابه رضوان الله عليهم ليكونوا مثلا عليا في كل اتجاه، وطاقات إيجابية في كل اتجاه. في إنشاء الأمة التى شهد لها خالقها ومخرجها إلى الوجود سبحانه بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل 3/ 110] . في إقامة العدل الربانى في الأرض. في تنظيم شئون"الدولة"السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحربية والخلقية والروحية والفكرية .. إلى جانب قيامة بأمور حياته الخاصة - ورعاية زوجاته وبناته وكفالتهم وتوجيههن وتعليمهن .. الخ.

والرسول - هو أسوة المسلمين إلى قيام الساعة، وهو الترجمة الواقعية لهذا الدين في أعلى صوره.

(1) متفق عليه.

(2) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت