فهرس الكتاب
وكان يعلمهم: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [سورة الأنفال 8/ 59 - 60]
فيعلمون علما يقينيا مؤكدا أن الله لن يحقق للكفار مسعاهم في هدم هذا الدين والقضاء عليه، بل سيمكن لدينه في الأرض، ومع ذلك يعدون ما استطاعوا من قوة، أى يبذلون الجهة ويتخذون الأسباب، ولا يقولون لأنفسهم: ما دام الله سيمكن لدينه فذلك حسبنا، ونتوكل عليه فلا نعمل!
وكان يعلمهم: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ... } [سورة آل 3/ 165 - 166]
فيعلمون أن وقوع الأمر بقدر من الله لا يخليهم من مسئوليتهم عن أعمالهم حين يخطئون أو يسيئون التقدير.
وكان يعلمهم: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) } [سورة آل 3/ 172 - 173]
فيتعلمون أن وقوع قدر الله بالهزيمة ليس معناه الاستسلام للهزيمة والقعود فيها بحجة أنها قدر من عند الله، إنما معناها السعى الإيجابى لتغيير هذا الواقع مع التوكل على الله، رجاء تغيير القدر الأول بقدر جديد ... [1]
وبذلك كله كانت عقيدة القدر في حياة المسلمين الأوائل قوة دافعة محركة إلى الأمام.
ولكن تواكل الصوفية حولها إلى غير ذلك، قعودا عن الأخذ بالأسباب بحجة أن"مالك سوف يأتيك"! وتخليا عن مسئولية الإنسان عن عمله بحجة أن ما وقع منه قد وقع بقدر من الله! وقعودا عن تغيير الواقع السيئ من مرض أو عجز أو فقر أو ذلك أو ضيم بحجة أنه ما حدث إلا بقدر من الله ولو شاء الله غير ذلك لكان!!
ومع الصوفية كذلك ينشأ القعود عن تعمير الأرض، بحجة أن الدنيا ملعونة، والمعول عليه هو الآخرة! وأن الإنسان حسبه في هذه الدنيا عيشة الكفاف، لكى ينجو بروحه من التعق بالدنيا، ولكى يفرغ لتزكية روحه استعداد للآخرة!
(1) انظر إن شئت فصل"مفهوم القضاء والقدر"من كتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح".