فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 436

ولا شك أن الدعوة إلى التقلل من متاع الأرض، وعدم"التعلق"بالدنيا هى دعوة إسلامية أصيلة، وهذا هو"الزهد"الذى أشرنا إليه من قبل. ولكن الانصراف عن عمارة الأرض قضية منفصلة ومختلفة عن عدم التعلق بالحياة الدنيا.

لقد ركب الله في النفس البشرية دوافع إلى العمل والنشاط في صورة رغبات وشهوات أبرزت الآية الكريمة أهمها أو أشدها سيطرة على الإنسان:

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} [سورة آل 3/ 14]

ولم يخلق الله هذه الدوافع عبثا، تعالى الله عن العبث ..

ولم يخلقها ليقتلها الإنسان من جانبه بحجة تزكية الروح ..

إنما خلقها لتعينه أو لتدفعه لعمارة الأرض، التى هى جزء من الخلافة التى خلق الله الإنسان من أجلها:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [سورة البقرة 2/ 30]

{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [سورة هود 11/ 61]

صحيح أن هذه الشهوات مهلكة للإنسان إذا مضى معها إلى آخر الشوط ولم يلتزم"بالحدود"التى رسمها الله، وقال عنها: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [سورة البقرة 2/ 229] {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} [سورة البقرة 2/ 187] .

لذلك خلق الله في النفس البشرية ضوابط تضبط اندفاع تلك الدوافع، منها العقل والإرادة الضابطة، ومعرفة الطريقين والقدرة على اختيار أحدهما:

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) } [سورة الشمس 91/ 7 - 10]

{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) } [سورة البلد 90/ 10]

{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) } [سورة الإنسان 76/ 3]

ثم ذكر الإنسان بالآخرة، والبعث والحساب والجزاء، ليكون ذلك معينا له في ضبط شهواته والالتزام فيها بالحدود التى رسمها الله، والتى يعلم سبحانه أن في داخلها الأمن والأمان والفلاح، ويعلم سبحانه كذلك أن الالتزام بها هو الذى يرفع النفس البشرية ويظهرها، ويعينا على عمارة الأرض بمقتضى المنهج الربانى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت