فهرس الكتاب
وعلى الرغم من وضوح المنهج الربانى في هذه النقطة، فإن الصوفية تسعى إلى"قتل"الدوافع البشرية بدلا من تهذيبها وضبطها، وتدعو إلى"إهمال"الحياة الدنيا بحجة التقرب إلى الله وابتغاء مرضاته.
ولو كان هذا هو الإسلام لهدانا إليه رسول الله -.
يستلون بقوله:"الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله أو عالم أم متعلم" [1] .
وبأن الله ذم الدنيا في كتابه المنزل وقال عنها {مَتَاعُ الْغُرُورِ} [سورة آل 3/ 185] .
ولا شك أنه ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ذم للدنيا أو لعن لها.
ولكن مراجعة السياق الذى ورد فيه مثل هذا الذم تكشف لنا بوضوح أن الدنيا تذم أو تلعن في مجالين اثنين، حين تصد الإنسان عن الإيمان بالله وتدفعه إلى الكفر به، أو تصده عن الجهاد في سبيل الله:
{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) } [سورة النحل 16/ 106 - 107]
{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [سورة التوبة 9/ 24]
أما في غير هذين المجالين فليست الدنيا مذمومة ولا ملعونة، ما دامت لا تصد عن الإيمان بالله أو الجهاد في سبيل الله.
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [سورة الأعراف 7/ 32]
{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا} [سورة القصص 28/ 77]
صحيح أن التعلق بالدنيا يؤدى إلى معصية الله. وهذا هو المعنى الذى ركز عليه الصوفيون أشد التركيز، وجعلوا الدنيا ملعونة من اجله، ولكن قتل النفس من جهة أخرى مخافة الوقوع في المعصية يوقع في معصية من نوع آخر، هى القعود عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وعن مجالدة الباطل والعمل على إزهاقه، وعن عمارة الأرض بمقتضى منهج الله.
(1) رواه الترمذذي وابن ماجه.