فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 436

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [سورة النور 24/ 55]

ولكن له تكاليف ...

فإلى جانب عبادة الله وحده بلا شريك، وتحكيم شريعته وحده، وهما المقتضى العملى للإيمان الصحيح، فهناك تكاليف حسية ومادية:

{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) } [سورة الأنفال 8/ 60]

فإذا عاش مجموع الناس عيشة الكفاف، ولم ينتجوا إلا في حدود الكفاف، فكيف للدولة المسلمة أن تعد ما استطاعت من قوة لإرهاب أعداء الله، تلك القوة التى لا يستمر التمكن في الأرض إلا بها؟

إنما يحتاج الأمر إلى الإنتاج الوفير والاستهلاك القليل .. وهذه هى المعادلة التى يتم بها التمكين في الأرض والمحافظة عليه. أما الإنتاج القليل على قدر الاستهلاك القيل فلا يؤدى إلا إلى فقر مجموع الأمة، الفقر الذى يؤدى إلى الضعف، والضعف يحرك شهوة الأعداء الذين ينتظرون الفرصة السانحة للانقضاض.

وإلى جانب ذلك كله، فيحن يعتزل المتطهرون المجتمع وينعزلون عنه ليزكوا أرواحهم بعيدا عن الدنس فمن يبقى في المجتمع؟ ومن يدير شئونه؟ ومن يتحرك فيه؟

أليست هذه العزلة مشجعا للفاسدين أن ينفردوا بالعمل دون تدخل ولا اعتراض؟ بينما كان الواجب الأول لأولئك المتطهرين أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويأطروا الحاكم على الحاكم على الحق أطرا ويأصروه عليه أصراكما أمرهم الله ورسوله -؟

فإذا أضيف إلى هذه الأمور كلها تضخم الشيخ في حس المريد إلى حد أن يصبح في حقيقة الأمر واسطة بينه وبين الله، في الوقت الذى جاء فيه الإسلام ليلغى كل واسطة بين العبد والرب، ويحرر القلب البشرى من كل قيد يعوقه عن الاتصال المباشر بالله، وعبادة الله وحده بلا شريك، ويكون من تعليمه للناس: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) } [سورة البقرة 2/ 186]

إذا اضيف هذا إلى كل ما سبق فقد بدا لنا كم تنحرف الصوفية عن أصل الإسلام، وكم تضيف إليه ما لبس منه، في سبيل تحقيق غاية في ذاتها من الإسلام، ولكن طريقها الربانى غير هذا الطريق ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت