فهرس الكتاب
وهذا كله مع الصوفية"النظيفة"الصادقة المخلصة، فكيف إذا صارت دجلا وتهريجا وخرافات؟
ولا شك أن هناك في تاريخ الصوفية سواء تاريخ الشيوخ أو المريدين ? من كان عاملا بتعاليم الإسلام، مجاهدا في سبيل الله بماله ودمه، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، ناشرا لدين الله في الأرض. فهؤلاء كما أشرنا من قبل لا ينطبق عليهم حكم الصوفية المنحرفة، وإنما هم في الحقيقة زهاد وأن الحقوا بالصوفية.
ولكن الذى لا شك فيه كذلك أن هؤلاء قلة في تاريخ التصوف، وأن الأغلبية كانت من أولئك السلبيين المنعزلين، الذين يسعون إلى تزكية أنفسهم في عزلة عن ركب الحياة.
إذا عدنا إلى الفترة العباسية لنقوم مدى ما حدث فيها من انحراف فسنجده، انحرافا ضخما ولا شك .. في كثير من المجالات هذا الدين.
وكان طبيعيا كما قلنا أن تنهار الدولة العباسية من وطأة هذه الانحرافات مجتمعة، ومن بينها ما يكفى وحده لتقويض أركانها، كالترف الذى غرقت فيه القصور، ولعب الدخلاء بالسلطان، والدسائس والمؤامرات، وضعف القوة السياسية والعسكرية .. فإذا اجتمع إلى ذلك ما سردناه من الانحرافات الأخرى فلم يكن انهيار الدولة عجبا، إنما كان العجب أن تستمر أكثر من ذلك بكل ما تحمله من أمراض.
وجاء الانهيار تحقيقا لسنن الله في الحياة البشرية .. السنن التى لا تحابى أحدا ولو قال بلسانه 0 لا إله إلا الله محمد رسول الله)!.
وبصرف النظر عن كون التتار الذين أطاحوا بالدولة العباسية قد جاءوا بدعوى خفية متآمرة من وزير شيعى في الدولة العباسية ذاتها، ومن اليهود القاطنين في بغداد، الذين لم يمسوا بسوء طيلة وجود التتار فيها، بينما جرى النهر أربعين يوما أحمر من دماء المسلمين الذين ذبحهم التتار.
بصرف النظر عن هذه الحقيقة، فما كان لمثل هذا الأمر أن يقضى على الدولة لو أنها واعية لنفسها كا ينبغى للدولة المسلمة، ملتزمة بأوامر الله التى تأمر بإعداد القوة لإرهاب أعداء الله، وتأمر بعدم اتخاذ بطانة ممن يكيدون للإسلام:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) } [سورة آل 3/ 118]
{رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (46) } [سورة فصلت 41/ 46]
ولكن انهيار الدولة بما تحمل من أوضار لم يكن هو نهاية"الأمة الأسلامية"رغم اشتراكها ولو بقدر في هذه الأوضار، أولا: لأن الدفعة الحيوية الهائلة التى أطلقها الإسلام في هذه الأمة لم تكن قد استنفدت،