فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 436

وثانيا: لأن العقيدة كانت ما تزال حية وإن علاها الرماد، فكانت تنتظر فقط من ينفخ عنها الرماد لتشتغل الجذوة من جديد.

وقد تبدت حيوية الإسلام وحيوية الأمة الإسلامية في ظهور الدولة العثمانية بكل قوتها وكل حيويتها كأنها بعث جديد للأمة أو مولد جديد.

ولكن. هل كان بعثا صافيا، أو مولدا من نوع المولد الأول في عهد الذروة؟ أم حمل معه من أوضار"الأمة"ما كان كامنا فيها من الأوضار؟

فأما من حيث صدق الرغبة في خدمة هذا الدين، وبذل الدماء والأموال في سبيل ذلك، فإنا نجد فيهم من لا يقل عن مرتبة التابعين رضوان الله عليهم، وكان جهدهم في الحقيقة امتدادا لجهد الصحابة والتابعين الذين حاولوا فتح القسطنطينية أول مرة على عهد الأمويين.

ويكفيهم في ميزان الله أنهم توغلوا في أوروبا الصليبية ما توغلوا، وفتحوا للإسلام ما فتحو من أراض وقلوب، فدخل الناس في الإسلام بعشرات الملايين.

ويكفيهم في ميزان الله أنهم حموا العالم الإسلامى من غارات الصليبيين خمسة قرون متوالية، فلم يجرءوا أن يتجهوا مرة أخرى نحو الشرق للاستيلاء على بيت المقدس كما فعلوا أول مرة حتى زالت الدولة العثمانية من الوجود.

ويكفيهم في ميزان الله أنهم حتى وهم في النزع قدمنعوا قيام الدولة اليهودية على أرض الإسلام، ولم يتمكن شذاذ الآفاق من التجمع لإقامة دولتهم إلا بعد أن زالت دولة الخلافة من الوجود.

كما أن احترامهم للعلم، وللعلماء من حملة هذا الدين، مما يحسب لهم كذلك في ميزان الله.

ولكن هذا كله على ضخامته في ميزان الله لا ينفى وجود انحرافات خطيرة سواء في الدولة، أو في حياة الأمة في ظل الدولة .. آتت ثمارها السيئة على مرور الأيام.

لقد كانت هذه أول دولة للخلافة لم تستعرب.

ولم يكن ذلك يؤثر في مبدأ الأمر، مع الإخلاص وصدق العزيمة، والعمل الجاد لتوحيد العالم الإسلامى، ووضعه تحت قيادة قوية موحدة تحميه من التمزق الذى كان يعانيه في أواخر الدولة العباسية.

ولكنه على مر الأيام صار يؤثر، إذا أحس الشعب العربى، الذى ظل طيلة تسعة قرون على الأقل هو قلب الإسلام النابض، بلون من العزلة، وحكامه يخاطبونه بغير لغته، وبغير اللغة التى نزل بها الإسلام .. وظلت هذه العزلة تتزايد مع توالى الظروف السياسية التى أحاطت بالدولة العثمانية، حتى تمكن الأعداء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت