فهرس الكتاب
الماكرون من تمزيق جسم الأمة، وكانت قضية"الترك"والعرب"من الأدوات التى استخدموها بخبث في التمزيق."
ولو تصورنا أن دولة الخلافة قد استعربت، وتكلمت باللغة التى نزل بها هذا الدين، فلا شك أن عوامل الوحدة داخل الدولة كانت تصبح أقوى وأقدر على مقاومة عبث العابثين. فضلا عما يتيحه تعلم العربية من المعرفة الصحيحة بحقائق هذا الدين من مصادره المباشرة، كتاب الله وسنة رسوله -، مما كان الحكام والعامة كلاهما في حاجة إليه، على الرغم من كل ما ترجم إلى التركية، وما ألف أصلا بالتركية حول هذا الدين.
ثم كان كما هو الشأن في الدولة العسكرية نوع من"الحزم"الزائد الذى يصل أحيانا إلى حد الاستبداد.
ولا شك أن الاستبداد السياسى قد وقع من قبل، بدأ به الأمويون وتلاهم العباسيون، وكان من الانحرافات التى ارتكبها ا"الملك العضوض"، وحاد بها عن خط الخلافة الراشدة التى نعم الناس في ظلها بتطبيق العدل الربانى في أروع صوره.
ولكنى أحسب أن الاستبداد السياسى في الدولة العثمانية لم يكن مجرد امتداد لما كان من الأمويين والعباسيين (وإن كان هذا جائز) ولكن كان له سببه"المحلى"فى الدولة العثمانية ذاتها"الجزم"الزائد الذى يمارسه العسكريون في المعتاد حين يتولون شئون السياسية.
ولقد كانت مواجهة الدولة لأعداء أقوياء، لابد من القضاء عليهم أو إخضاعهم بالقوة ليتم التمكين للدولة، من أسباب هذا"الحزم"الزائد الذى اتسم به الحكم العثمانى. ولكن روح الإسلام على أى حال لا تبيح الاستبداد أيا كانت ذرائعه، وتوجب تطبيق العدل الربانى فيما بين الحاكم ورعيته في جميع الأحوال.
وزاد الأمر سوءا نظام الولاة في الدولة العثمانية، حيث كان الوالى على أى قطر من أقطار الدولة، يتولى لفترة محدودة، غالبا ما تكون سنتين أو ثلاثة سنوات على الأكثر، ثم يعزل بعدها من ولايته.
وقد كان للدولة هدفها من هذا النظام دون شك، وهو تركيز السلطة في يد الخليفة، وعدم إتاحة الفرصة للولاة أن يستقلوا بولاياتهم كما حدث في أواخر العصر العباسى وانتهى بتفكيك الدولة العباسية وانهيارها في النهاية. وقد ساعد هذا النظام بالفعل على دوام سيطرة الدولة العثمانية على ولاياتها فترة غير قصيرة من الزمان، واستقرار الدولة وهيبتها في نفوس الأتباع والأعداء على حد سواء.
ولكن كان للنظام معايبه من جانب آخر، فإن الوالى الذى يعلم سلفا أنه لن يبقى في منصبة إلا تلك الفترة المحدودة، لا يمكن أن يلتفت إلى الرعية بالحق والعدل، إلا أن تكون له أخلاق العلماء أو طباع