فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 436

الملائكة، إنما يكون همه في الغالب جمع أكبر قدر من المال يستطيع جمعه ليعيش منعما بقية حياته، فيجمع للسلطان ما أمر السلطان بجمعه ويجمع أضعاف ذلك لنفسه بالعسف والظلم اللذين يقعان لا محالة على عباد الله.

فإذا أضيف إلى ذلك نظام الإقطاع، الذى كان معمولا به عند الأتراك في جاهليتهم قبل أن يدخلوا في الإسلام، وحملوه معهم في إسلامهم، فقد أضيف إلى طابع الاستبداد السياسى نوع من الظلم الاجتماعى الذى يسببه الإقطاع، يعيش فيه ألوف من البشر في حالة التبعية الكاملة للباشوات أصحاب الإقطاعيات.

فإذا كان هذا من جانب الحكام. فالأمر من جانب المحكومين لم يكن يخلوا كذلك من الانحراف.

فأما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى أمرت به الأمة، فقد كانت قد تخلت عنه بالنسبة لحكامها من زمن بعيد، ولم يكن من المتوقع أن تعود إليه في الجو العسكيرى الذى قامت فيه الدولة العثمانية، بل كان الأحرى أن تزداد تخليا عنه.

وأما"العمل"بمقتضى"الإيمان في الدائرة الفردية والاجتماعية أى فيما لا يتعلق بالسياسة فقد كان الحال خيرا بكثير ولا شك منه في أواخر الدولة العباسية حيث كان التحلل قد ساد المجتمع وفسدت أخلاقه. فإن المولد الجديد على يد الدولة الفتية، والعزمة القوية التى يحتاج إليها بناء دولة جديدة تقاتل أعداء أشداء، وتريد أن تمكن لنفسها في الأرض، فضلا عن الجد الصارم الذى تتصف به الدولة العسكرية، كل ذلك قد أحدث تماسكا خلقيا واجتماعيا قرب الناس من روح الإسلام بقدر ما كان الترف العباسى والهو والمجون قد أبعدهم عنه."

ولكن من شأن القبضة القوية أن تتراخى، ومن شأن التمكين في الأرض أن يجعل الأعصاب تسترخى، ما لم يحث التذكير الدائم الذى يوقظ القلوب.

وبدلا من أن يحدث التذكير على الصورة الإسلامية الصحيحة فقد حدث على الطريقة الصوفية

لقد كانت الصوفية ق أخذت تنتشر في المجتمع العباسى، ولكنها كانت ركنا منعزلا عن المجتمع، أما في ظل الدولة العثمانية، وفى تركيا بالذات، فقد صارت هى المجتمع. وصارت هى الدين.

وانتشرت في القرنين الأخيرين بصفة خاصة تلك القولة العجيبة: من لا شيه له فشيخه الشيطان.

وأصبحت الصوفية بالنسبة للعامة بصورة خاصة هى مدخلهم إلى الدين، وهى مجال ممارستهم للدين.

وحين أصبحت هكذا فقد أصبحت مجموعة من الخرافات والأوهام تتعلق"بالمشايخ"الأحياء نهم والأموات، وصار"التدين"هو الإيمان بالشيخ، وبكراماته، وبأحواله، وقدرته على استشفاف الغيب، وقدرته على شفاء المرضى بغير دواء وقدرته على فك السحر واستخراج الشياطين من أرواح من تسلطت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت