فهرس الكتاب
إن تحول الأخلاق الإسلامية وأنماط السلوك الإسلامى الى تقاليد هو في ذاته أمر طيب، لأنه يطبع بها المجتمع والأجيال الناشئة جيلا بعد جيل، فتتقبلها في يسر وتمارسها ممارسة تلقائية لا يشعر فيها صاحبها بالجهد.
ولكن ذلك طيب مع وجود الوعى بالأصل الإيمانى، الذى انبعثت منه هذه التقاليد وصارت تعبيرا عمليا عنه. فأما إذا ذهب هذا الوعى، وغاب الأصل الإيمانى الذى انبثقت منه التقاليد أول مرة، وصار الأمر هو المحافظة على التقاليد من أجل أنها تقاليد .. فقد آذنت تلك التقاليد بالزوال إذا اصدطمت بمؤثر قوى يدهمها ويحاربها. ذلك أن الذى يصمد في المعركة ليس هو التقليد، إنما هو الروح الكامنة وراء التقليد. فإذا خبت الروح فلا صمود.
لذلك لا نعجب - كما سنرى في الفصل القادم - إذا رأينا هذه التقاليد تتهاوى واحد أثر الآخر لما دهمها الغزو الفكرة المنظم الذى وجه لتحطيمها، ولا تحتمل المعركة كلها أكثر من نصف قرن من الزمان في معظم بلدان العالم الإسلامى.
ونضرب مثلا واحدا لتوضيح:"الحجاب التركى"الشهير.
لقد كان هذا حجابا إسلاميا لا شك في نسبته إلى الإسلام [1] . والترك لم يعرفوه إلا من خلال إسلامهم، أى أنهم أخذوه عن الشعوب التى تعلموا منها الإسلام. وكان هذا الحجاب بصورة من الصور أصلا مرعيا في العالم الإسلامى كله خلال قرون متطاولة من الزمان.
ولكن لما خفتت الروح الإسلامية الحقيقية في العالم الإسلامى بسبب مجموعة الإنحرافات التى تحدثنا عنها من قبل، بقى الحجاب تقليدا يراعى بشدة ولا تخرج عليه ولا تجرء أن تخرج عليه - امرأة واحدة في العالم وإلا عدت ساقطة عديمة الأخلاق.
وعلى الرغم من شدة المحافظة عليه بوصفه تقليدا مرعيا في المجتمع، فإنه أمام الغزو الفكرى الذى نادى بتحرير المرأة وطالب بالسفور، وخروج المرأة حاسرة في الطريق، لم يصمد أكثر من نصف قرن، وخرجت نساء العالم الإسلامى سافرات كاسيات عاريات مائلات مميلات كما وصفهن رسول - قبل أن يبرزن إلى الوجود بثثة عشر قرنا أو تزيد.
وكان ذلك لأن الحجاب كان مجرد تقليد، يرعى بهذه الصفة، لا عن إيمان حى واع بالأصل الاعتقادى الذى انبثق عنه الحجاب.
(1) يتصايح الفارغون والفارغات بأن الحجاب ليس"إسلاميًا"إنما هو تقليد عربي بدوي أبقاء المسلمون بعد إسلامهم محافظة علي التقاليد الموروثة ليس غير! ويتبجحون بإنكار وقائع التاريخ. تقول عائشة رضي الله عنها: رحم الله نساء الأنصار. لما نزلت آية الحجاب عمدت كل واحدة منهن إلي ثثوبها ففاعتجرت به (أي: لفته فوق رأسها ووجهها) فهو لم يكن تقليدًا معمولًا به قبل الإسلام, إنما هو أمر به الله تعالي فنفه المسلمون.