فهرس الكتاب
وازن بين ذلك وبين الفتيات المحجبات اليوم عن عقيدة ووعى .. إن الجاهلية بكل ثقلها تندد بهن وتسخر منهن، بل تتعرض لهن أحيانا بالسجن والتعذيب .. فهل خلعن الحجاب؟ أو استمعن للأصوات الناشزة التى تدعوهن لخلعه؟
هذا هو الفارق بين السلوك النابع من العقيدة، والسلوك النابع من التقليد .. وقس على ذلك كل أمور الإسلام.
فإذا علمت أن الأمر انتهى إلى أن يصبح الإسلام كله، حتى عباداته وسلوكه، تقاليد، ترعى لأنها تقاليد ولكنها خاوية من الروح .. استطعت أن تدرك كيف جاء الانهيار.
أمر أخير لابد من الإشارة إليه في ظل الحكم العثمانى، لأنه كان ذا أثر بعيد في المجتمع الإسلامى.
لقد ظلت الأمور في العالم الإسلامى _ وفى العالم أجمع في الحقيقة - عشرة قرون كاملة تقريبا لا تكاد تتغير إلا في نطاق محدود.
وكان الفقهاء المسلمون الكبار قد اجتهدوا في كل ما واجههم من الأمور، فأنشئوا ا فقهاء متكاملا عميقا شاملا يغطى احتياجات المسلمين في العبادات والمعاملات، ثم جاء تلاميذهم وشراحهم فزادوا في قضايا الفروع حلولا لمشكلات تصوروا حدوثها في أى ظرف من الظروف القادمة، فكانوا يفترضون الفرض ويقولون: أرأيت لو حدث كذا ويستنبطون لهذا الأمر المتخيل حكما مستمدا من شريعة الله.
فلما مضى الزمن وحدثت تلك الافتراضات بالفعل، لم يحس المسلمون أنهم في حاجة إلى اجتهادات جديدة، فقط غطى الفقهاء وتلاميذهم وشراحهم من قبل كل ما جد في حياتهم. لذلك أعلنوا منذ القرن الخامس إغلاق باب الاجتهاد لعدم الحاجة إيه.
ومرت خمسة قرون آخرى أو ستة على وجه التقريب والمسلمون لا يحسون بحاجة لمراجعة هذا القرار، لأن ما بين أيديهم من الفقه يكفيهم ويفيض عن حاجتهم، فاكتفوا بالتتلمذ عليه، وإخراج المختصرات التى تفى بحاجة طالب العلم المبتدئ لتعينه على الدخول في عالم الفقه العويص.
ولكن الأمور منذ القرن الثانى عشر الهجرى على الأقل بدأت تتغير تغيرا سريعا بعد اختراع الآلة وتقدم الأبحاث العلمية والمكتشفات والمخترعات، مما أحدث أوضاعا جديدة وعلاقات جديدة لم يكن الفقهاء القدامى وتلاميذهم وشراحهم قد تخيلوا حدوثها، فلم يستنبطوا لها الأحكام الملائمة من الشريعة الإسلامية.