فهرس الكتاب
وهنا كان المفروض أن يعاد فتح باب الاجتهاد لمواجهة هذه التغيرات وبيان حكم الله فيها ليلتزم به المسلمون. إذا مهمة الفقه الدائمة التى لا تتوقف هى مواجهة كل ما يلم بالمسلم في حياته وبيان حكم الله فيه من حلال أو حرام أو مندوب أو مكروه أومباح، ليكون المسلم على بينة من امر ربه في كل أمر يأتيه.
ولكن الدولة العثمانية رفضت إعادة فتح باب الاجتهاد [1] .
رفضت بحسن نية كاملة، وبغيرة حقيقية على دين اله. على أساس أنه لا يوجد في الوقت الحاضر من تتوافر فيه شروط الاجتهاد.
ولكن النتائج كانت خطيرة.
فحين يتوقف الاجتهاد مع وجود دواعيه ومتطلباته .. فماذا يحدث؟
يحدث أحد أمرين: إما أن تجمد الحياة وتتوقف عن النمو، لأنها محكومة بقوالب لم تعد تلائمها. وإما أن تخرج على القوالب المصبوبة وتخرج في الوقت ذاته من ظل الشريعة، لأن هذا الظل لم يمد بالاجتهاد حتى يغطيها.
وقد حدث الأمران معا، الواحد تلو الآخر .. الجمود أولا ثم الخروج بعد ذلك من دائرة الشريعة.
وقد يظن القارئ العابر للتاريخ أن الخروج على الشريعة قد حدث في أول القرن الرابع عشر الهجرى (نهاية القرن التاسع عشر الميلادى) ولكن الحقيقة الشريعة الإسلامية جملة والحكم بغير ما أنزل الله جهرة .. ولكن بدء تسلل"الأنظمة"الأجنبية إلى الدولة الإسلامية قد بدأ مكرا عن هذا العصر، منذ بدأت عملية إدخال"التنظيمات"الأوربية لتحكم بها المحاكم في الدولة الإسلامية فيما جد من الأمور التى لم يتناولها الفقهاء القدامى. وكان الدافع وراء هذا هم اليهود والنصارى في بلاط الخلافة! [2] (لأمر يريدونه بلا شك) وكانت هذه ثغرة بدأت تتسع حتى أدت في النهاية إلى أفظع ما حدث في تاريخ الأمة من انحرافات.
لقد كانت تلك"التنظيمات"فى مبدئها مما يمكن أن يتمشى مع روح الإسلام ولا يناقض نصوصه، لذلك لم يد علماء ذلك الوقت حرجا في استخدامها، خاصة مع عدم الإذن بإعادة فتح باب الاجتهاد:
لكن الانحراف كان خطيرا من وجهين.
الوجه الأول: أنه أحدث"مبدأ"خطيرا في ذاته، وأثبتت الأيام خطورته، هو مبدأ الاستمداد من فكر غير إسلامى، وحياة غير إسلامية، ومنهج غير إسلامى، وتركيب الرقعة المستعارة في الثوب الإسلامى بحجة أنها"لا تتنافى"معه.
(1) يعتقد كثيرون أن الدولة العثمانية هي التي أغلقت باب الاجتهاد, وهذا غير صحيح. فقد أقفل باب الاجتهاد منذ القرن الخامس الهجري, إنما المأخوذ علي الدولة العثمانية أنها لم توافق علي إعادة فتحه حين باققتضت الظروف ذلك.
(2) كان وجود اليهود والنصاري في بلاط الخلافة من المخالفات التيي وقعت فيها الدولة العباسية ثم العثمانية رغم التحذير الرباني بعدم اتخاذ بطانة من غير المسلمين.