فهرس الكتاب
والوجه الثانى: وهو لا يقل خطورة، أنه أحدث وهما في نفوس الناس بوعى منهم أو بغير وعى - مؤداة أن الشريعة الإسلامية صالحة للتطبيق فيما بقى على حاله من أمور الحياة لم يتغير منذ نزول هذه الشريعة، أما ما جد من الأمور وخاصة في القرنين الأخيرين فإن الشريعة لا تصلح لمواجهته وتوجيهه، إنما الحل فيه هو استيراد"القوانين"الصالحة له من الأمم"المتقدمة"التى عانت المشكلة أصلا واستنبطت لها الحل.
وكلا الوجهين كان له في حياة الأمة الإسلامية في أجيالها الأخيرة أسوأ تأثيرا.
فى الصفحات الماضية من هذا الفصل عبرنا في سرعة خاطفة أربعة عشر قرنا من تاريخ هذا الأمة على وجه التقريب. والعبور بهذه السرعة الخاطفة على النحو الذى صنعناه لا يمكن في الحقيقة أن يعطى صورة صحيحة عن خط سير الأحداث.
فالأحداث لا تقع مفرد، ولا تسير في قنوات مفردة كما نتكلم عنها هنا، إنما تتفاعل الأحداث خلال الحياة البشرية وتعطى آثارها من خلال تجمعها وتفاعلها، بحيث يصعب أن ترد النتائج إلى سبب واحد بعينه مهما تكن قوته في ذاته، ولا إلى مجموعة الأحداث كل على حدته .. كما أن الواقع التاريخى في سيره البطئ، المتداخل المتغير الصورة على الدوام، لا تجرى فيه الأحداث في خطوط مستقيمة مباشرة كالتى نرسمها نحن في أثناء الحديث، إنما تتعرج الخطوط وتتداخل، يسرع بعضها أحيانا ويبطئ أحيانا أخرى، ويبدو كالمتوقف فترة ثم يعود فيتحرك مرة أخرى .. وفى النهاية تظهر لنا نتيجة كأنها حاسمة ونهائية .. وهى لا تعدو أن تكون مرحلة فىخط السير، يجد بعدها جديدا.
كلا ليست الصورة في حقيقتها كما رسمناها في تلك الصفحات الماضية بتلك السرعة الخاطفة .. ولكنها ضرورة البحث من ناحية، وضرورة الإيجاز.
ضرورة البحث تفرد خطوط التاريخ، وتتحدث عن كل واحد على حدته كأنه كان كذلك في الحقيقة. وضرورة الإيجاز تجعلنا نتكتفى برسم الخطوط العريضة، فننسى أنها لم تكن وحدها هى العاملة في رسم الصورة النهائية، إنما كان إلى جوارها عشرات من الخطوط الأخرى، وعشران من القنوات الخفية التى تصل بينها، وتحكم ارتباطها دون أن تظهر على السطح.
فلنذكر على أى حال أننا لم نكن في خلال تلك الصفحات نكتب تاريخ الأمة الإسلامية، ولا حتى تاريخ خط الانحراف إنما كنا نلتقط خطوطا بعينها، ومواقف بعينها، نحسبها أظهر ما في الصورة، فتنتزعها من سياقها المتداخل المتراكب المترابط لنسلط عليها الضوء. ونسميها على سبيل المجاز"خط"الانحراف.
ومهما يكن من أمر، فقد تجمعت الانحرافات وتفاعلت بعضها مع بعض، فأدت في النهاية إلا الانهيار.