فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 436

من الذروة السامقة إلى الهوة السحيقة .. مسافة تدير الرءوس ..

هل يصدق أحد حين يعايش الجيل المتفرد بكل قممه السامقة أن ذراريه يمكن أن تهبط إلى هذه الهوة السحيقة؟ وهل يصدق أحد حين يعايش الأجيال الحاضرة في هوتها السحيقة التى تردت إليه، أنها من ذرارى ذلك الجيل المتفرد في التاريخ.

كأنهما أمتان منفصلتان لا يجمع بينهما شئ.

ومن العسير كما قلنا أن نرجع النتائج النهائية إلى سبب واحد بعينه، ولا إلى مجموعة من الأسباب كل على حدته. ولكن هذا لا ينفى أن تكون هناك أسباب أقوى في تأثيرها من أسباب.

ولعلنا نستطيع أن نلخص الموقف في أربع نقاط رئيسية، أو أربعة أسباب رئيسية، ترد إليها بقية النقاط وبقية الأسباب.

فهناك أولا التفلت البشرى الطبيعى من التكاليف كلما امتد الزمان. والعلاج الربانى لهذا التفلت كما قلنا هو التذكير. فنستطيع أن نقول إذن إن التذكير لم يكن بالقدر اللازم الذى يمنع مجموع الأمة من التفلت، أو لم يكن من حيث الكيف بالكفاءة المطلوبة لمنع الأمة من الانحراف عن الجادة، وخاصة إذا وضعنا في الاعتبار تزايد الرفعة المستمر، ودخول أقوام جدد في الإسلام باستمرار.

وفى الوقت ذاته، حين كان التذكير أقل من المطلوب في الكم وفى الكيف، وكان في حاجة إلى المزيد، جاء تياران مضادان لعملية التذكير، يزيدان من درجة العجز فيها، أحدهما هو الفكر الإرجائى الذى يطمع العبد في رضا مولاه بغير عمل حقيقى بمقتضى الإيمان، اتكالا على ما في القلب من وجدانات ومشاعر، والآخر هو الصوفية، التى تطمع العبد في رضا مولاه عن طريق آخر غير أجاء التكاليف الشرعية، بالأوراد والأذكار، والتبرك بالأولياء والمشايخ، ووضع المريد نفسه بالكلية بين يدى شيخه ينفث فيها ما يشاء وهو مستسلم له تماما كأ، ما يتلقى منه وحى السماء. وكان تأثير هذه العوامل الثلاثة منصبا كله على"العمل"بمقتضى الإيمان، أى إبرازه في الصورة السلوكية الواقعية الصحيحة ن وبصفة خاصة على"الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"وهو الخلاصة الحية لحركة هذا الدين الواقعية الإيجابية في الأرض، التى تؤدى إلى تطبيق المنهج الربانى في واقع الحياة، لكيلا يضمر وينحسر في داخل الوجدان، فيكون من ثم عرضه لمزيد من الانحسار.

فإذا إضفنا إلى هذه العوامل الثلاثة الاستبداد السياسى الذى أدى إلى ضمور الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، في المجال السياسى خاصة، وتحول الإسلام في حس الناس إلى ممارسة فردية بعد ضمور الممارسة الجماعية لهذا الدين وهى ركن أساسى فيه والتركيز التدريجى على الشعائر التعبدية على أنها هى الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت