فهرس الكتاب
إذا أضفنا هذا إلى العوامل الثلاثة الماضية، فقد تجمعت لدينا في النهاية تيارات أربعة، تلتقى آخر الأمر في تيار واحد كبير، مضاد في اتجاهه لمجرى هذا الدين، سواء في واقع المجتمع أو في داخل النفوس.
نستطيع باختصار أن نقول: إن كل المفاهيم الإسلامية قد فسدت وانحرفت في حس الأجيال المتأخرة، بدءا بمفهوم لا إله إلا الله، التى أصبحت مجرد كلمة تقال باللسان، والقلب عنها غافل، والسلوك عنها بعيد، إلى مفهوم العبادة الذى انحصر في الشعائر التعبدية، تؤدى أو لا تؤدى إلى مفهوم القضاء والقدر الذى تحول إلى قوة مثبطة مخذلة، إلى مفهوم الدنيا والآخرة اللتين انفصلتا وتحولتها إلى معسكرين متقابلين متعاديين، العمل في أحدهما يؤدى إلى إهمال العمل في الآخر، إلى مفهوم عمارة الأرض، الذى تحول من عمارة الأرض بمقتضى منهج الله إلى توقف العمارة، إلى عودة العمارة ولكن بغير منهج الله! [1] .
وأصبح الدين في النهاية صورة باهتة خاوية من الروح، لا تستطيع أن تصمد للهجوم الوحشى الذى تدافع من كل صوب للقضاء على الإسلام.
ولا يعنى هذا بطبيعة الحال أن كل النفوس قد تخربت، ولا أن التذكير لم يعد له أثر على الإطلاق، ولا ان الفكر الإرجائى قد صرف كل الناس عن العمل، بل عن العزائم العالية ذاتها، ولا أن سلبية الصوفية قد أحاطت بكل النفوس فصرفتها عن الإيجابية اللازمة، ولا أن الساحة قد خلت تماما من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، سواء في ميدان السياسة أو في الأمور الاجتماعية .. فإنا إن قلنا ذلك نكون مجافين للحقائق التاريخية، وفتئتين على النماذج البارزة الرائعة التى لم يخل منها قط جيل من أجيال الإسلام، والتى تحمل دائما قبسا من ذلك الجيل الفريد.
ولكنا حين نطلق ما نطلق من تعميمات، نقصد بذلك الصورة الغالبة .. والصورة الغالبة هى التى تقرر الموقف العملى في الحقيقة، وليست القلة المتميزة مهما يكن لها من التميز، إلا أن يكون في أيديها هى مقاليد الأمور.
وفى الفصل القادم نحاول أن نشرح بشئ من التفصيل آثار الانحراف في واقعنا المعاصر، بعد أن أدت الأسباب إلى نتائجه الحتمية حسب سنة الله.
{وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23) } [سورة الفتح 48/ 23]
(1) راجع إن شئت كتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح".