فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 436

آثار الانحراف

أشرنا في نهاية الفصل السابق إشارة عابرة إلى آثار خط الانحراف الطويل في واقع الأمة في الفترة الأخيرة. ونريد هنا أن نركز القول على القرنين الأخيرين في حياة الأمة والقرن الأخير خاصة بشئ من التفصيل، يبين لنا من ناحية، كيف وصلنا إلى واقعنا المعاصر الذى نعيشه في هذه اللحظة، ويبين لنا من ناحية أخرى ماهية هذا الواقع المعاصر وسماته البارزة، ليتيسر لنا فيما بعد أن نتعرف على طريق الخلاص.

1 -التخلف العقدى

إن أول ما يبدهنا حين ننظر إلى القرنين الأخيرين والقرن الأخير خاصة هو الغبش الشديد المحيط بحقيقة الإسلام في نفوس المسلمين والبعد المتزايد عن هذه الحقيقة في الحياة الواقعية. أى أنه فساد في التصور وفساد في السلوك.

لقد كان الفساد في السلوك قائما في عصور سابقة، وجر على الأمة الوبال إذا أدى إلى اجتياح جحافل التتار دولة الخلافة وتدفق الصليبيين من الغرب يريدون إطفاء نور الإسلام .. ولكن التصورات كانت ما تزال أقرب إلى الصحة، لأن الانحرافات المتعلقة بالتصور كانت محصورة في نطاق محدود. فالفرق الزائعة قد زاغت ولكن حجمها بالنسبة لمجموع الأمة ضئيل، والفكر الإرجائى قد وجد ولكنه كان ما يزال أفكار في الأبراج العاجية أكثر منه واقعا ملموسا في حياة الأمة، لأن دفعة العمل كانت ما تزال قوية دفاقة في كل اتجاه، بحيث لا تعطلها تلك الأفكار عن الانطلاق، بل كان أصحاب الفكر الإرجائى هم أنفسهم كما سبق القول، من العابدين العاملين الفقهاء، ولم يكونوا يتأثرون بفكرهم الخاص فيتركوا العمل أو ينادوا بتركه. وكانت الصوفية موجودة، ولكنها ليست السمة الغالبة على المجتمع، بل هى قائمة في ركن منعزل منه تتعبد لنفسها بعيدا عن الضوضاء.

أما حين بدأ الفساد في التصور يتسع حتى يصبح هو الأصل، فقد تغير الأمر .. ولم يعد فساد السلوك وحده هو العلة فتنفه خطبة حماسية أو موعظة مؤثرة .. إنما أصبح الأمر يحتاج إلى جهد ضخم يبذل التصحيح المفاهيم أولا ثم تصحيح السلوك بعد ذلك، أو تصحيحهما معا في الوقت ذاته، وهو على أى حال جهد غير يسير.

فسدت المفاهيم كلها كما أشرنا في نهاية الفصل السابق، فلم يعد شئ منها يشابه أصلة الذى كان عليه يوم نزل هذا الدين من عند الله.

كانت لا إله إلا الله عند الجيل الذى تلقاه وآمن بها أول مرة شيئا يبلغ من الضخامة أن يزيل واقعا بشريا بأكمله، وينشئ بدلا منه واقعا جديدا مختلفا عنه كل الاختلاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت