فهرس الكتاب
كذلك .. لقد غيرت لا إله إلا الله كل شئ في حياة الجيل الأول، وأنشأت في مكانه واقعا جديدا كل الجدة، وارتبط هذا الواقع الجديد في حسهم بلا إله إلا الله، لأنها هى التى أحدثته بالفعل في داخل النفوس وفى واقع الحياة.
حين كانت الآلهة في حسهم متعددة كان الضياع والتيه، وكان الارتكاس في الحمأة الجاهلية، وكان فساد الأخلاق، وكان ضيق الأفق، وسطحية الاهتمامات وقربها وأنانيتها، وكان الظلم المتبادل:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدّم، ومن لا يظلم الناس يظلم [1] !
وحين آمنوا بالله الواحد، وأقروا أنه لا إله إلا الله، تغير هذا كله، فوجدوا بعد ضياع، ورشدوا بعد تيه، وارتفعوا بعد ارتكاس، وسمت أخلاقهم بعد فساد، واتسعت آفاقهم بعد ضيق، وعمقت اهتماماتهم وبعدت آمادها وذهبت عنها انانيتها، وصارت الأخوة مكان التظالم.
لذلك كان الإيمان بـ"لا إله إلا الله"موازيا في حسهم لهذا التغير العظيم كله، بل مؤديا إليه في الحقيقة، فلم تكن في حسهم هى الكلمة، إنما كانت موجودة في حسهم بمدلولها، بمقتضياتها، بترجمتها الواقعية, وكانت ترجمتها الواقعية هى ما تشتمل عليه حياتهم من كل شئ، من اعتقاد بوحدانية الله، إلى صلاة وصيام وزكاة وحجج تؤدى كلها لله الواحد بلا شريك، إلى إقامة الحياة بك دقائقها على مقتضى ما جاء من عند الله
وهل لـ"لا إله إلا اله"معنى غير ذلك؟ أو ترجمة غير ذلك؟.
صحيح أن لتحقيق لا إله إلا الله في عالم الواقع درجات مختلفة [2] ، كلها ترجمات لها، أدناها هو الحد الأدنى المفروض، وأعلاها هو تلك النماذج المتفردة التى أتى بها الجيل المتفرد. ولكنها في كل درجاتها الصحيحة، لا تهبط عن الحد الأدنى المفروض، لا تهبط عن الاعتقاد بوحدانية الله، وإقامة الشعائر التعبدية له وحده بلا شريك، وإقامة الحياة بمقتضى ما جاء من عند الله .. ثم ترتفع ما شاءت بعد ذلك في دقة الأداء وعمق الأداء.
ولكنها ظلت خلال القرون المتوالية تضمر تدريجيا في حس الناس، وظل مفعولها يضمر في داخل النفوس وواقع الحياة، حتى أصبحت في النهاية لا تعمل .. وإنما تقال فقط، ثم تجرى الحياة بعد قولها في مجراها الذى تسوقها إليه الظروف، كمن يضع في طريق التيار حاجزا يريد به ضبط التيار أو تحويله، ولكن الحاجز مملوء بالثقوب، فهو قائم ولكنه لا يصنع شيئا، والماء يجرى من خلاله كأنه غير موجود. أو كورقة العملة المزيفة،
(1) من معلقة الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمي.
(2) تقابلها درجات مختلفة من الجنة.