فهرس الكتاب
تحمل ذات الألفاظ والرسوم التى تحملها الورقة الحقيقية، ولكنها لا تغنى صاحبها، ولا تشترى له شيئا من السوق إن لم تعرضه للعقاب والخزى .. لأنها ورقة بلا رصيد.
وكانت العبادة عند الذين تلقوا هذا الدين أول مرة أمرا شاملا للحياة كلها كما علمهم الله:
{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ} [سورة الأنعام 6/ 162 - 163]
فلم تكن قط محصورة في الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج، ثم يعيش الإنسان فيما بين الشعيرة والشعيرة بلا عبادة، إنما الحياة كلها عبادة، وذكر الله بما يقتضيه الذكر من عمل بمقتضى ما أنزل الله، عملية دائمة لا تتوقف.
{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ... } [سورة آل 3/ 191]
لذلك كانت قلوبهم مشغولة أبدا بذكر الله، وكانت كل لحظة من لحظات حياتهم عبادة.
لم يكن في حسهم في لحظة التجارة والبيع والشراء أنهم الآن في خارج العبادة، فلا عليهم أن يغفلوا عن ذكر الله، ولا عليهم أن يغشوا أو يخدعوا أو يسعوا إلى الربح الفاحش على حساب الناس.
لم يكن في حسهم في لحظة الترويح عن أنفسهم أنهم الآن في خارج العبادة، فلا عليهم أن يفحشوا ويمجنوا ويعصوا الله وينسوا أوامره حتى يعودوا إلى ذكره من جديد حين تحين"لحظة"العبادة.
بعبارة أخرى لم تكن الحياة تنقسم في حسهم إلى"عبادات"و"معاملات"إنما هى عبادات مختلفة، بعضها شعائر مفروضة ذات أوقات محددة، وبعضها مفتوحة تشمل كل نشاط الإنسان السياسى والاقتصادى والاجتماعى والأخلاقى والعلمى والحضارى، ولكنها كلها داخلة في دائرة العبادة التى يذكر فيها اسم الله، ويلتزم فيها بما أنزل الله.
كذلك لم تكن الحياة تنقسم في حسهم إلى"ساعة لقلبك وساعة لربكم"فالساعاتان كلتاهما لله، لأنهما من ساعات الحياة، والحياة كلها لله.
وهل يمكن أن تكون العبادة شيئا غير هذا الذى فهمه الجيل المتفرد؟
هل التزامهم بما أنزل الله فى"المعاملات"كان شيئا من عند أنفسهم تزيدوا به على هذا الدين؟ وهل التزامهم بآداب الإسلام وأخلاقياته حتى في ساعة"الترويح"كان شيئا من عند أنفسهم تزيدوا به على هذا الدين؟
أم إن هذا هو"الدين"كما علمهم إياه رسول الله -؟