فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 436

هل الصدق والأمانة في البيع والشراء والتجارة، والوفاء بالوعد، والإخلاص في العمل وإتقانه، والانضباط في السلوك، والالتزام بالآداب والأخلاق .. هل هذه كلها أشياء جاءوا بها من عند أنفسهم، وتطوعوا بها تطوعا غير مأمورين؟

نعم لقد كانت لهم مجالات تطوعهم التى تفردوا بها .. حين ألزموا أنفسهم بالمندوبات كأنها فرائض، وهذا هو الذى ارتفع بهم إلى القمم السامقة التى وصلوا إليها .. أما تناول الحياة كلها على أنها عبادة يلتزم فيها الإنسان بما أنزل الله، ويتوجه بها إلى الله، فهل كان من عند أنفسهم؟ أم إنه هو التحقيق العملى لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ} [سورة الأنعام 6/ 162 - 163] وقوله تعالى: {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [سورة آل 3/ 191]

وإذا كان الصدق تكليفا ربانيا، والأمانة تكليفا ر بانية والوفاء بالوعد تكليفا ربانيا .. فهل هذه التكاليف داخلة في العبادة أم خارجة عنها، زائدة عليها؟

وكيف تكون خارجة عنها او زائدة عليها والله سبحانه وتعالى يقرر بأقوى صيغ التوكيد (النفى والاستثناء) أنه لم يكلف البشر إلا أن يعبدوه.

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) } [سورة الذاريات 51/ 56]

فأذ كان أقصى الغاية التى خلق البشر ليقوموا بها هى العبادة، فهل يمكن أن يكون تكليف واجد من التكاليف خارجا عن دائرة العبادة؟ وأين يكون إذن من قول الله المؤكد بأنه خلق البشر لعبادته وحدها لا ليقوموا بأى شئ آخر؟

لقد كان فهم الصحابة رضوان الله عليهم هو الفهم الحق، وكان سلوكهم بمقتضى هذا الفهم هو السلوك الحق.

ولكن خلفت من بعدهم أجيال أخذت تتخفف من التكاليف، فتخرجها رويدا رويدا من دائرة العبارة، وتضيق دائرة العبادة تدريجيا حتى تحصرها نهائيا في الشعائر التعبدية ولا زيادة.

وحين خرج الصدق من دائرة العبادة لم يعد الصدق في حس الناس لازما .. إنما أصبح شيئا جميلا إن وجد فإن لم يوجد فلا بأس.

وحين خرجت الأمانة من دائرة العبادة لم تعد لازمة في التعامل. إنما هى جميلة إن وجدت في شخص بعينه، فإن لم توجد فلا بأس.

وحين خرج الوفاء بالوعد من دائرة العبادة لم يعد لازما. إنما هو موعظة جميلة يلقى بها الخطيب في خطبة الجمعة, فإن لم يمارسه أحد فلا بأس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت