فهرس الكتاب
وهكذا صار عند الناس إسلام بلا أخلاق، إسلام لم ينزله الله تعالى ولم يأمر به، إنما أمر بضده تماما .. ومع ذلك يمارسه الناس على أنه"غاية المراد من رب العباد".
ويجى الفكر الإرجائى فيواكب هذا التخلف العقدى المهلك، ويتسع تدريجيا مع كل تخلف جديد على أساس قاعدته"العظمى"أنه لا يضر مع الإيمان شئ، وأن الإيمان هو التصديق، أو هو الإقرار والتصديق، وأن العمل خارج من مسمى الإيمان.
حقيقة أن الناس وهو يصنعون ذلك لم يكونوا قد خرجوا من دائر ة الإيمان .. وأنهم عصاة بين يدى الرحمن إن يشأ يعذبهم وإن يشأ يرحمهم، ولكن الزعم بأن"أمة محمد بخير"وهى تصنع ذلك كله، وأنه لا يضر مع الإيمان شيئ، هو زعم باطل يكذبه الله ورسوله -، ويكذبه واقع التاريخ.
فأما الله سبحانه وتعالى فيقول:
{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) } [سورة النساء 4/ 123 - 124]
وأما رسوله - فقد سأل أحد صحابته رضوان الله عليهم:"كيف أصبحت؟"قال:"أصبحت مؤمنا حقا"قال رسول الله -"إن لكل حق حقيقة. فما حقيقة ما تقول؟"قال الصحابى: عزفت عن الدنيا وأظمأت نهارى وأسهرت ليلى وكأنى أنظر إلى عرش ربى، وأنى أنظر إلى أهل الجنة فيها يتجاوبون وإلى أهل النار يتعاوون. فقال له النبى: أنت أمرؤ نور الله قلبك. عرفت فألزم" [1] ."
وأما التاريخ فقد قال كلمته، وكلمته هى سنة الله التى لا تتبدل ولا تتحول. أنن هذه الأمة تمكن بقدر التزامها بمقتضيات الإيمان، لا بمجرد التصديق والإقرار، وأنها تزلزل ويزول عنها التمكين بمقدار ما تنتقص في عملها من مقتضيات الإيمان. مقتضيات لا إله إلا الله.
وانظر إلى الجيل المتفرد رضوان الله عليهم - يبطئ عليهم النصر ذات مرة فيقولون لأنفسهم: لينظر كل ما قصر فيه من أوامر ربه وأوامر رسوله -، فيجد بعضهم أنه قد أهمل السواك، فيقولون: هو ذاك. وانظر إلى الأجيال التى تنقض أوامر ربها، وتعيش إسلاما بلا عمل وإسلاما بلا أخلاق، ثم تقول: لا يضر مع الإيمان شئ!
(1) أخرجه ابن عساكر عن أنس رضي الله عنه.