فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 436

وما بنا من حاجة أن نعيد الإشارة إلى ما سبق أن أشرنا إليه من قبل، من فساد شامل عند الأجيال المتأخرة في كل مفاهيم الإسلام، سواء مفهوم القضاء والقدر، أو مفهوم الدنيا والآخرة، أو مفهوم عمارة الأرض، بالإضافة إلى مفهوم العبادة ومفهوم لا إله إلا الله .. إنما نخلص من هذه الإشارات كلها إلىحقيقة واقعة يمكن أن نطلق عليها حقيقة"التخلف العقدى"فى حياة الأمة، وما يصاحبها من"التخلق السلوكى"عن حقيقة الإسلام.

وكلا الأمرين خطير غاية الخطورة، ولكن الخطورة القصوى تكمن بلا شك فى""

التخلف العقدى"لأنه هو الذى يمهد للتخلف السلوكى من ناحية، ويؤخر علاجه من ناحية أخرى. فحين تكن العقيدة صحيحة، ويكون التخلف السلوكى ناشئا فقط من التفلت البشرى الطبيعى من التكاليف، فإن التذكير يكفى لعلاجه، لأنه هو العلاج الربانى لغفلة التى تؤدى إلى نسيان التكاليف. أما حين يكون التخلف العقدى هو الداء، فالتذكير وحده - بالصور المعتادة. لا يكفى، لأنه لا يجد استجابته الطبيعية في القلب، ويحتاج الأمر إلى إبراء القلب ذاته مما ألم به من أمراض!"

هذا التخلف العقيدى - الذى هو عقدة العقد في حياة الأمة في الفترة الأخيرة قد وصل إلى أقصى درجاته في القرن الأخير خاصة، حين نحيت الشريعة الربانية عن الحكم على يد الغزو الصليبى الجائح، ولكنا لا نريد أن نتعجل خطوات التاريخ، بل نريد أن نتبعها خطوة خطوة حتى مرحلتها الأخيرة. إنما نريد هنا أن نحدد المعيار الذى نقيسه به مدى ذلك التخلف في حياة الأمة.

والمعيار ولا شك هو الكتاب والسنة، مرجع المسلمين في كل أمر من أمور حياتهم.

والمعيار كذلك هو حياة الأجيال الأولى من المسلمين، التى طبقت هذا الدين في عالم الواقع، التزاما منها بمقتضيات الإيمان سواء في مجال التصور أو مجال السلوك.

فكلما اقتربنا من الكتاب والسنة، ومن حياة السلف الصالح رضوان الله عليهم، فنحن"متقدمون"عقديا (وسلوكيا كذلك بلا شك) وكلما تآخرنا عن الكتاب والسنة وعن حياة السلف الصالح فنحن متخلفون في مجال العقيدة (وبالتالى في مجال السلوك) .

وتلك أولى الحقائق المهمة التى ينبغى ألا تغيب عن أذهاننا سواء ونحن ندرس خط الانحراف وآثاره، أو ونحن نبحث عن طرق الخلاص، والتى ينبغى كذلك أن نستصحبها معنا دائما لكى لا نضل الطريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت