فهرس الكتاب
أما العالم الإسلامى فقد كان في نفس الفترة قد غفا غفوته الطويلة بتأثير ذلك الخدر المزدوج الذى أشرنا إليه، وبتأثير الاستبداد السياسى والتفلت من التكاليف، فكان على المنزلق الهابط في نفس الوقت الذى تبذل أوروبا كل جهدها للصعود.
فى المجال العلمى حدث تقلص ضخمن، أبعد - بالتدريج - كل العلوم"الدنيوية"من معاهد العلم! في ذات الوقت الذي اقتصر فيه العلوم الشرعية عفي فكر القرن الخامس علي أكثر تقدير، مع الفارق الكبير بين الأصالة التي كان عليها فكر القرن الخامس، والتقليد الذي تلا ذلك من القرون، وظل (يتحجر) قرنا بعد قرن
لقد كان من مفاخر الحركة العلمية الاسلامية كما أشرنا في الفصل الأول أنها تفتحت"العلم"كله، وأبدعت في العلم كله، وكان العالم يكون عالما في العلوم الشرعية وعالما في ذات الوقت في الطب أو الفلك أو الفيزياء أو الكيمياء بغير تعارض ولا تناقض بين هذا وذاك، وكانت المعاهد العلمية في الأندلس وغيرها تلك التي تعلمت فيها أوربا حين بدأت تخرج من قرونها المظلمة تعلم طلابها كل فروع العلم وألوانه بغير تفريق، وكانت العلوم"الدنيوية"من المعالم البارزة في تلك المعاهد إلي جانب العلوم الشرعية ومن هناك تعلمت أوروبا المنهج التجريبي في البحث العلمي، وترجمت ما كتبه المسلمون في الطب والفلك والفيزياء والكيمياء والرياضيات والبصريات لتتتلمذ عليه في بدء نهضتها الحديثة.
ولكن المسلمين"الغافلين"طردوا تلك العلوم تدريجيا من معاهدهم ليقتصروا علي العلوم الشرعية، مع ما في دراستهم للعلوم الشرعية ذاتها من"تخلف"عن الصورة التي ينبغي أن تكون الدراسة عليها.
وهنا قد يكون تأثير الصوفية أوضح.
فالصوفية هي التي فرقت بين الدنيا والآخرة، واتجهت إلي إهمال الدنيا بحجة تزكية الأرواح من أجل الآخرة، وأهملت بالتالي عمارة الأرض، علي أساس أن الأشتغال بها يقل الروح ويذهب عنها شفافيتها وطلاقتها ومن ثم أهملت كل العلوم المتصلة بتلك العمارة، واعتبرتها ناقلة تستطيع الأمة أن تستغني عن أدائها بلا ضير! [1]
نعم قد يكون تأثير الصوفية هنا أوضح، ولكنها لا تستقل بالتأثير، فلو أن المسلمين قاموا بالتكاليف التي كلفهم بها ربهم، ومن بينها إعداد القوة لإرهاب أعداء الله، لوجدوا أنه لزام عليهم أن يتعلموا كثير من تكل العلوم الدنيوية ويتقنوها ويتفوقوا فيها علي أعدائهم، لأنهم بغير هذه العلوم يعجزون عن الوفاء بأمر
(1) كان الغزالي - في القرن الخامس - علي الرغم من اتجاهه الصوفي المعروفف يتحدث عن فروض العين وفروض الكفاية من العلوم والمعارف, ويضع الدنيوية في فروض الكفاية التي تأثم الأمة في مجموعها إن لم يقم بها القادرون من أبنائها ... ولكن جاء عصر بعد ذلك سقطت فيه هذه العلوم نهائيًا من حساب الأمة.