فهرس الكتاب
ربهم وتكيفه ولكن التفلت من التكاليف كان يؤثر إلي جانب الصوفية في إهمال تلك العلوم وعدم الاحساس بالحاجة إليها ـ، كما أن الفكر الإرجائي موجود دائما في المساحة يغطي كل نقص أو تقصير!.
ورويدا رويدا فقدت الأمةحاستها العلمية بتاتا، وخرجت من الدائرة التي كانت هي مركزها في يوم من الأيام، يوم كانت هي الأمة العالمة في الأرض، وأوروبا تهرع إليها للتتلمذ علي ما لديها من العلم.
أما العلوم الشرعية فقد تأثرت هي الأخري بروح (التقلص) العامة التي غشت العالم الإسلامي من أكثر من وجه
فمن ناحية قل الإقبال علي العلم عند الناس فتقشت الأمية والجهل في الأمة، بنفس المقدار الذي كانت أوروبا تزيل به أميتها وتفتح المدارس لنشر العلم!
ومن ناحية أخري جمدت العلوم الشرعية علي صورتها التي كانت تدرس بها قبل خمسة قرون علي الأقل بما كان قد دخل فيها من غزو فكري إغريقي، ومن علم كلام لا يعني ولا ينفع، فوق تحويله دراسة العقيدة إلي معاظلات ذهنية باردة معقدة تفرغ العقيدة من محتواها الحي، وتحليلها إلي (قضايا) فلسفية مثيرة للجدل بغير نتيجة ولا غاية! وفوق ذلك كله فقد تحول الطلاب إلي حفظة لا مفكرين يتعالم الواحد منهم بمقدار ما يحفظ من المتون والشروح والحواشي، ولكنه لا يفكر لنفسه ولا يفكر بنفسه، ففقد"العلماء"أصالة العلم وأصبحوا مجرد نقله مقلدين، بل أصيف إلي ذلك شر ثالث، هو التعصب المذهبي الذي عم الدارسين، كل يتعصب لمذهبه الذي نشا عليه، ويجعل قصاري"جهاده"من أجل دينه أن يثبت تفوق مذهبه وشيوخه علي المذاهب الأخري وشيوخها، وأن يدخل في معارك من أجل المذهب تتجاوز في كثير من الأحيان حد الجدل باللسان، إلي التدافع بالأيدي والأبدان! وفشت الفرقة والتنابذ بين أصحاب المذاهب المختلفة حتي إن أحدهم قد يرفض أن يصلي خلف إمام من غير مذهبه، بل قد يقاتل أخاه في الصلاة لأنه رآه إلي جواره يرفع يديه أو يضعهما علي صدره بما يخالف مذهبه، ويحس أن مقاتلته لأخيه في الإسلام علي هذا النحو هي"الخدمة"التي يؤديها للإسلام!!
وحين يكون هذا حال الدراسين من الأمة في المعاهد الدينية بعد أن تحولت بقية الأمة إلي أميين"لا يعلمون الكتاب إلا أماني"فأي فراغ من حقيقة الدين يملأ النفوس، وأي تفاهة في اهتمامات الناس، بعد أن كان الدين هو محور الحياة ومحركها، وباعث الاهتمامات الجادة وموجهها
وحقيقة أنه لم يخل عصر من عصور الإسلام حتي أحلكها من"عالم"بالمعني الحق للعلم، ولكنه قلتهم التدريجية لها دلالتها وفشو الجمود والتقليد له دلالته فكل شئ متفق مع التقلس والضمور الذي غشي بطابعه كل شئ