فهرس الكتاب
والخلاصة ان التخلف العلمي بشقيه الدنيوي والشرعي الناشئ أصلا من التخلف العقدي أصبح هو الطابع السائد للمجتمع الإسلامي قبيل الغزوة الصليبية الهائلة التي احتاجت بلاد الإسلام في العصر الحديث.
أما التخلف الحضاري بشقيه المعنوي والمادي فهو صنو التخلف العلمي وزميله علي الطريق كما أنه نابع من نفس المنبع، ومتأثر بذات المؤثر، وهو التخلف العقدي.
أما الجانب المعنوي جانب الأخلاق والقيم فقد اسقطه الفكر الإرجائي حين قدم للناس إسلاما بلا اخلاق ذلك أن الأخلاق وإن كانت قيما معنوية فإنها من جانب آخر سلوك، وإلا فهي شعارات معلقة في الفضاء لا واقع لها في عالم الحقيقة.
وحين كان الدين علي حقيقته، كان من مزاياه الكبري أنه قيم أخلاقية مطبقه في عالم الواقع في صورة سلوك واقعي، وكانت هذه في حس الأجيال الأولي هي الترجمة الجقيقية لـ"لا إله إلا الله"أي أنها كانت مرتبطة في حسهم بالعقيدة أو بعبارة أخري كان في حسهم أن من يعتقد هذه العقيدة بنيغبي أن يكون سلوكه ملتزما بتلك القيم الأخلاقية، فالدين المعاملة كما علمهم رسولهم -، وكما قالت لهم عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلق رسول الله - فقالت:"كان خلقه القرآن".
وهذا الإرتباط بين العقيدة ومقتضياتها الأخلاقية هو القيمة الحضارية الجوهرية في هذا الدين التي تجعل المجتمع الإسلامي هو المجتمع المتحضر مهما يكن نصيبه ضئيلا من العمارة المادية للأرض، وتجعل العقيدة في هذا الدين هي جوهر الحضارة، بما يشع منها ويرتبط من قيم وأخلاق.
وبهذا المعيار كان الجيل المتفرد أعلي جيل حضاري في تاريخ البشرية كله، علي الرغم من البساطة المتناهية في الأشكال المادية والتنظيمية التي كانت في متناول يديه لأنه كان يمارس في عالم الواقع أعلي قيم إنسانية وأخلاقية عرفتها البشرية.
ثم جاء العمران المادي في موعده كما بينا في الفصل الأول، امتدادا للدفعة الحيوية الهائلة التي أطلقها الإسلام في الأمة الإسلامية في جميع الاتجاهات فاكتمل"الشكل"الحضاري الذي يغلف (المضمون) الذي كان قائما من لحظة الميلاد.
ولكن الفساد الذي طرأ علي مفهوم"العبادة"فحصرها في الشعائر التعبدية فحسب، وأخرج منها ألوانا كثيرة من"المعاملات"كانت في حس الأجيال الأولي داخله في مفهوم العبادة الواسع الشامل، باعتبارها"سلوكا"إسلامية مرتبطا بلا إله إلا الله ثم الفكر الإرجائي الذي أعطي لهذا الفساد شرعية حين