فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 436

أخرج"العمل"من مسمي الإيمان ومن مقتضياته هذا وذات قد دمرا الجوهر الحضاري المتضمن في هذا الدين، الذي كان قوامه السلوك الأخلاقي المرتبط بالعقيدة، المترجم لها في دنيا الواقع.

بعبارة أخري حين صار"المسلم"لا يجد حرجا في قلبه أن يكذب، وأن يغش، وأن يخون الأمانة وأن يتهاون في العمل، وأن يخلف الوعد، وأن يحق د علي اخيه ويتمني زوال نعمته، وأن ينافق، وأن يغمز ويلمز ويغتاب، وأن يبخل ويجبن، وأن يبيت شبعان وجاره جوعان وهو يعلم، فقد فقد جوهره الحضاري الإسلامي، لأنه تجرد من أخلاقيات لا إله إلا الله وتجرد من قيمها الإنسانية العليا، التي هي جوهر الحضارة وعماد المجتمع المتحضر.

ومن الجانب الآخر فإن الاتجاه الصوفي الذي أهمل عمارة الأرض وتنميتها وتنظيم شئونها علي أساس أن الدنيا جيفه وطلابها كلاب، وأنها لا تستحق عند الله جناح بعوضه، فينبغي أن تكون في حس المؤمن التقي أضأل وأحقر من أن يلقي إليها التفاته عابرة [1] .... هذا الاتجاه الصوفي قد أتي كذلك علي"الشكل"الحضاري، وقعد بالناس عن الإنشاء والتشييد، وقعد بهم عن التنظيم كذلك لأنهم ونقصد الغالبية بطبيعة الحال قد أصبحوا فقراء ثم رضوا بالفقر وفلسفوا رضاهم بأنه من القناعة المحبوبة ومن الرضا بقدر الله فلم تعد التنمية لازمة لهم، ولم يعد التنظيم لازما كذلك، فإنها سنوات عابرة تمضي علي أي وضع وفي أية صورة ثم يذهب الناس إلي ربهم فينعمون بالخلد في جنات النعيم.

فإذا أضيف إلي ذلك ما تحمله الصوفية في طياتها من تواكل، وتقاعس عن الأخذ بالأسباب واعتقاد أو إحساس بأن الواقع الموجود مهما يكن من سوئه فلا ينبغي أن يسعي المرء إلي تغييره، بل لا ينبغي أن تساوره الرغبة فيذلك لأن ذلك يعتبر تمردا علي قدر الله، فقد انعدمت الرغبة تماما في أي إبداع حضاري مادي وتنظيمي ثم يجئ الفقر العلمي المدقع فينشئ عجزا كاملا عن الأداء حتي لو وجدت الرغبة في النفوس!

وهكذا من نقطة التخلف العقدي، المتمثل في فساد مفهوم العبادة، والفكر الإرجائي الذي يعطي ذلك الفساد شرعية ـ والاتجاه الصوفي المنحرف عن التوازن الإسلام، وعن الممارسة الإسلامية الواقعية للحياة وتعميرها بمقتضي المنهج الرباني تكليفا لا تطوعا.

من نقطة التخلف العقدي نشأ تخلف حضاري هائل، أخرج هذه الأمة من زمرة المتحضرين، كما أخرجها التخلف العقدي من قبل من زمرة المتعلمين ....

(1) بينا من قبل في الكلام عن"خط الانحراف"أن الدنيا تذم في القرآن وأحاديث الرسول - حين تصد الإنسان عن الإيمان بالله أو عن الجهاد في سبيله. ولكن توجيهات الإسلام صريحة في وجوب المشي في مناكب الأرض وابتغء فضل الله, وعمارة الأرض بمقتضي منهج الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت