فهرس الكتاب
لا يحتاج التخلف الاقتصادي الذي أحاط العالم الإسلامي إلي جهد في بيان أسبابه الحقيقية في حياة الأمة.
نعم لقد كانت هناك أسباب خارجية قوية أسهمت في هذا التخلف ولكنها وحدها لا تبرره ولا تفسره.
لقد كانت أوربا الصليبية تسعي، منذ القضاء علي الدولة الإسلامية في الأندلس إلي تطويق العالم الإسلامي وإضعافه بكل الوسائل [1] . وكان من بين الوسائل التي اتخذوها السعي الدائب لتحويل التجارة العالمية إلي إيديهم، وانتزاعها من يد المماليك، الذين كانوا يمسكون بزمامها عن طريق سيطرتهم علي البحر الأحمر والبحر الأبيض، فتدر عليهم أموالا طائلة، وعلي العالم الإسلامي كله كذلك.
ومنذ اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح، الذي كشفوه علي هدي الخرائط الإسلامية وبمعاونة بحارة مسلمين (!) بدأوا يتجهون إلي الشرق الأقصي ليستولوا علي أرضه وخيراته، منها دولة المماليك ن ويحرموا منها العالم الإسلامي كله.
وحدث ذلك بالفعل، وتأثرت اقتصاديات العالم الإسلامي تأثيرا بالغا بما حدث.
ولكن ... . هل هذا هو التفسير؟ أو هذا هو التبرير؟
أين كانت مراكز القوة يوم قامت الدولة الإسلامية أول مرة، سواء القوة الحربية أو السياسية أو الاقتصادية؟ ألم تكن كلها في يد فارس والروم؟
فما الذي حدث في التاريخ؟
لقد انساحت الأمة المؤمنة في الأرض، فأزالت قوي الباطل ودكتها دكا، وأقامت في مكانها دولة الإسلام ن واستولت هي علي مراكز القوة فأصبحت أكبر قوة في الأرض، وشملت قوتها كل جانب، فصارت في يدها القوة الحربية والسياسية والاقتصادية وكان ذلك كله تحقيقا لوعد الله للمؤمنين من هذه الأمة:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [سورة النور 24/ 55]
فما الذي غير الحال بعد ذلك، وسلب مراكز القوة من يد المسلمين؟
(1) سنتحدث عن الغزو الصليبي فيما بعد.