فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 436

حقيقه الإسلام يربت عليه ويمنحه شريعة الوجود، أو التفلت من التكاليف التي أمرت بإعداد القوة لإرهاب الأعداء، أو انشغال الحكام بفرض سلطانهم علي شعوبهم عن الجهاد لإعلاء كلمة الله.

فإذا اضيف إلي ذلك التخلف العلمي والتكنولوجي، النابع أصلا من التخلف العقدي، فقد اكتملت أسباب التخلف الحربي، وأصبح هو النتيجة المنطقية لكل الظروف التي أحاطت بالناس في القرون الأخيرة.

لقد حملت الدولة العثمانية عبء حماية العالم الإسلامي من الغزو الصليبي عدة قرون، وإن جهادها في هذا السبيل، وإخلاص نيتها وبذلها جهد الطاقة، لمما يحسب لها في ميزانها عند الله يوم القيامة

ولكن عوامل التخلف التي كانت تحيط العالم الإسلامي كله، ولا تنجو منها الدولة الحاكمة، ظلت تؤتي ثمارها التدريجية في الميدان الحربي كغيرة من الميادين

فبعد أن وصلت الجيوش الإسلامية إلي فيينا غربا وبطر سبرج (لننجراد حاليا) شرقا، وحاصرات كلا منهما فترة من الوقت، أخذت تتراجع لا عن تلك الأهداف القصوي وحدها بل عن الأهداف الدنيا حتي أكلت روسيا الصليبية بقاعا واسعة من الأرض كل سكانها مسلمون كما أكلت أوربا الصليبية بقاعا من الأرض كانت خاضعة للحكم الإسلامي يعيش فيها نصاري ومسلمون تتراوح نسبتهم من مكان إلي مكان وكان التخلف الحربي سببا من الأسباب الرئيسية في هذا التقلص المستمر.

نعم، لقد كانت أوربا تتقوى باستمرار، حتى صارت قوتها مكافئة لقوة الدولة العثمانية، ثم بدأت تتفوق عليها، فتغير ميزان القوى، وبدأت الصليبية تأكل من جسم العالم الإسلامى.

ولكن هذا - وحده - لا يفسر ولا يبرر!

إنما الذى يفسر - وإن كان لا يبرر! - [1] هو الجمود والقعود، والرضى بالموجود، والتواكل بدلا من التوكل الحق مع الأخذ بالأسباب، والتخلف العلمى والصناعى، وفقدان روج الابتكار .. وكلها كما بينا من قبل راجعة إلى ذلك التخلف الأساسى الخطير عن حقيقة الإيمان كما بينها الله ورسوله للمؤمنين.

وإذا كان هذا حال الدولة الحاكمة، التى أخذت على عاتقها حماية العالم الإسلامى من الغزو الصليبى فإن حال بقية العامل الإسلامى كان أسوأ بكثير.

إن الشعب التركى شعب عسكرى بطبعه، كما أنه بطبعه كذلك شديد المحافظة على التقاليد، يضاف إلى ذلك صرامته في التربية، لصب أبنائه وبناته منذ نعومة أظفارهم في القوالب المضبوطة التى يراد تنشئتهم عليها. وكان لهذا كله أثره في إطالة عمر الدولة رغم كل عوامل الهدم في داخلها، وفى صلابة شعبها وتماسكه رغم الهزائم المتوالية التى حلت بالدولة في القرنين الأخيرين.

(1) لا شئ يبرر الانحراف عن سبيل الله, والتقاعس عن الجهاد وإعداد العدة له!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت