فهرس الكتاب
أما بقية العالم الإسلامى - على اختلاف في الدرجة بين شعب وشعب - فكان نصيبه من هذه الصفات أقل، مع وجود التخلف العقدى بكل آثاره المدمرة في العامل الإسلامى كله بلا استثناء .. فضلا عن تعرض تلك الأقطار للغزو الصليبى في وقت باكر منذ القرن السابع عشر الميلادى إلى القرن التاسع عشر .. لذلك كان الانهيار فيها أسرع، لأن عوامل التخلف كانت فيها أشد!
لقد قاتل المماليك ببسالة نادرة أمام الحملة الصليبية الفرنسية بقيادة نابليون .. ولكن ماذا تجدى البنادق إزاء المدفع الذى سلح به نابليون جيشه؟ لقد كانت الهزيمة حاسمة .. هزيمة التخلف الحربى أمام التقدم والابتكار! وحدث مثل ذلك تباعا في العالم الإسلامى .. وانتهت المعارك بانتصار القوة الجديدة على التخلف والجمود ..
من نافلة القول أن نتحدث عن التخلف الفكرى والثقافى في الجو الذى وصفناه .. بعد كل الذى ذكرناه! فكلها ألوان من التخلف ممسك بعضها برقاب بعض، ومؤد في النهاية إلى الانهيار.
ولكن الصلة بين التخلف الفكرى والثقافى وبين التخلف العقدى قد تحتاج إلى إشارة خاصة بمناسبة ما تبدئ الجاهلية المعاصرة وتعدي في هذا الشأن بالذات.
لقد أوحى الغزو الصليبى للمسلمين - كما سيأتى الحديث - بأن كل ما أصاب المسلمين من تخلف كان بسبب أنهم مسلمون! أى بسبب الإسلام! وركز بصفة خاصة على الجانب الفكرى والثقافى مستدلا بتاريخ الكنيسة في أوروبا، وبأن أوروبا كانت متخلفة في جميع الميادين - وميدان الفكر والثقافة خاصة - وقت أن كانت حياتها محكومة بالدين، وأنها لم تتقدم وتتحضر وتنطلق في جميع الميادين إلا بعد أن"تحررت"من ربقة الدين.
وسوف نتناول هذه القضية بتفصيل أكثر في موضوع آخر حين نعرض للغزو الفكرى وآثاره في حياة المسلمين. ولكنا نحب هنا أن نرجع إلى حقيقة تاريخية حاسمة الدلالة.
إن الدعوة إلى"التفكير"وإلى استخدام"العقل"على أساس منهج صحيح، هى في صميمها دعوى هذا الدين. والدعوة إلى السياحة في الأرض ودراسة التاريخ على أساس منهجى كذلك، هى في صميمها دعوى هذا الدين. والدعوى إلى تدبر آيات الله في الكون، والتعرف على السنن الربانية في الكون المادى وفى الحياة البشرية، هى في صميمها دعوة هذا الدين. [1]
(1) راجع - إن شئت - فصل العقلانية من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".