فهرس الكتاب
الخشنة في أوائل القرون الوسطى، ثم اكتسبت وعيا ثقافيا جديدا، وعن طريق الوعى كسبت أيضا حسا مرهفا. ولما كانت أوربة في وسط هذا المأزق الحرج، حملتها الحروب الصليبية على ذلك اللقاء العدائى بالعالم الإسلامى. لقد كان ثمت حروب بين المسلمين والأوربيين قبل عصل الحروب الصليبية: كانت فتوح العرب في صقلية والأندلس، وكان هجومهم على جنوب فرنسة، ولكن هذه المعارك كانت قبل أن تستيقظ أوربة إلى وعيها الثقافى الجديد، فاتسمت من أجل ذلك، ومن وجهة النظر الأوربية على الأقل، بطابع ذى نتائج محلية. ولم تكن تلك المعارك قد فهمت بعد على وجهها الحقيقى. إن الحروب الصليبية هى التى عينت في المقام الأول والمقام الأهم موقف أوربة من الإسلام لبضعة قرون تتلو. ولقد كانت الحروب الصليبية في ذلك حاسمة لأنها حدثت في أثناء طفولة أوربة، في العهد الذى كانت فيه الخصائص الثقافية الخاصة قد أخذت تعرض نفسها (يقصد قد أخذت تظهر) وكانت لا تزال في طور تشكلها. والشعوب كالأفراد، إذا اعتبرنا أن المؤثرات العنيفة التى تحدث في أوائل الطفولة تظل مستمرة ظاهرا أو باطنا مدى الحياة التالية. وتظل تلك المؤثرات محفورة حفرا عميقا، حتى إنه لا يمكن للتجارب العقلية في الدور المتأخر من الحياة، والمتسم بالتفكير أكثر من اتسامه بالعاطفة أن تمحوها إلا بصعوبة، ثم يندر أن تزيلها تماما.
"وهكذا كان شأن الحروب الصليبية، فإنها أحدثت أثرا من أعمق الآثار وأبقاها في نفسية الشعب الأوربى. وإن الحمية الجاهلية العامة التى أثارتها تلك الحروب في زمنها لا يمكن أن تقارن بشئ خبرته أوربة من قبل، ولا اتفق لها من بعد."
"لقد اجتاحت القارة الأوربية كلها موجة من النشوة، كانت - في مدة ما على الأقل - عنفوانا تخطى الحدود التى بين البلدان والتى بين الشعوب والتى بين الطبقات. ولقد اتفق في ذلك الحين، وللمرة الأولى في التاريخ، أن أوربة أدركت في نفسها وحدة - ولكنها وحدة ضد العالم الإسلامى. لقد كان ثمت قبل ذلك الزمن أنجلو سكسون وجرمان وفرنسيون ونورمان وإيطاليون ودنمركيون وسلاف، ولكن في أثناء الحروب الصليبية ولدت فكرة"المدنية الغربية"وأصبحت هدفا واحدا تسعى إليه جميع الشعوب الأوربية على السواء. وكانت تلك المدنية الغربية"وأصبحت هدفا واحدا تسعى إليه جميع الشعوب الأوربية على السوء. وكانت تلك المدنية الغربية عدوة للإسلام وقفت عرابا (وكيل الطفل المعمد بالتعبير الكنسى) فى هذه الولادة الجديدة .. لقد نشأ تسميم العقل الأوربى عما شوهه قادة الأوربيين من تعاليم الإسلام ومثله العليا أمام الجموع الجاهلة في الغرب. وفى ذلك الحين استقرت تلك الفكرة المضحكة في عقول الأوربيين.
من أن الإسلام دين شهوانية وعنف حيوانى، وأنه تمسك بفروض شكلية، وليس تزكية للقلوب وتطهيرا لها، ثم بقيت هذه الفكرة حيث استقرت ..