فهرس الكتاب
الأولى: أن الباعث الصليبى كان هو الباعث الأول الذى حرك أوربا إلاى الاستيلاء على اعالم الإسلامى كما هو ثابت من رحلتى فاسكو داجاما وماجلان، والرحلات الاستكشافية الأخرى في أفريقيا خاصة - التى حملت المبشرين بكميات هائلة إلى أماكن لم يكن الاستغلال الاقتصادى فيها محدد المعالم أول الأمر، وإن كان قد حدث على نطاق واسع فيما بعد، حين اكتشف المحتلون مصادر الثروة وأخذوا في استغلالها.
الثانية: أن التحرك الاقتصاد الأول من أوربا نحو الشرق كان هدفه الأول حرمان المسلمين من مصادر قوتهم لإضعافهم، وهو هدف صليبى واضح تتخذ له جميع الوسائل، وما الوسيلة الاقتصادية إلا واحدة من هذه الوسائل فحسب. وليست هى الغاية كما يزعمون ويزعم معهم المستعبدون لهم من"المثقفين"خاصة، الذين يهز الواحد منهم كتفيه في بلاهة ويقول: إن الغرب لا يريد إلا تأمين مصالحه الاقتصادية فحسب، ولا يهمه شئ غير ذلك!
الثالثة: أنه حين برز العامل الاقتصادى في حياة أوربا فيما بعد، وأصبح - في ظاهر الأمر - هو المحرك الأول لجميع تصرفاتها، بقى هناك فارق واضح بين"الاستعمار الاقتصادى"فى بلاد الإسلام، والاستعمال الاقتصادى في البلاد غير الإسلامية التى استولوا عليها في مرحلة التوسع وتكوين الإمبراطوريات.
فمع أنه في جميع أحواله ظالم للبلاد المحتلة المستغلة، أنانى النزعة، لا يهمه إلا تحقيق مصالحه الخاصة على حساب أهل البلاد الأصليين، حريص دائما على تركهم فقراء متخلفين ليتسنى له استغلالهم أطول وقت ممكن، معاكس دائما لحركاتهم التحررية الاستقلالية، كابت لوجودهم السياسى و"القومى"..
مع ذلك كله فإنه - في البلاد غير الإسلامية - لا يتعرض لعقائد الناس وأفكارهم وتقاليدهم بشئ من العنف على الإطلاق، مكتفيا بما يتسرب إلى حياتهم تدريجيا من التأثير الناشئ من رغبة المغلوب في تقليد الغالب. أما في البلاد الإسلامية فقد كانت هناك دائما تدبيرات وترتيبات يقصد بها قصدا إلى إزالة مظاهر الحياة الإسلامية، ومحالة سحق الإسلام في نفوس المسلمين بالعنف، أو صرفهم عنه صرفا خبيثا ماكرا بوسائل أخرى غير العنف [1] ، ولكنه لا يهادن ولا يرضى عنه في أى حال من الأحوال .. وكان من أول هذه التدبيرات والترتيبات في كل بلد إسلامى وقع في قبضتهم تنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم ووضع القوانين الوضعية بدلا منها، وهو أمر لا علاقة له من قريب ولا بعيد"بالمصالح الاقتصادية"التى يزعم الغرب ويزعم معه أتباعه المستعبدون له أنها الهدف الأول والأخير من استيلائهم على العالم الإسلامى!
(1) سنتكلم عن هذه الوسائل في الفقرة التالية بعنوان"الغزو الفكري".