فهرس الكتاب
قال أحد المبشرين في كلمة له في المؤتمر التبشيرى الذى عقد في القاهرة سنة 1906 وهو يتساءل عما إذا كان الأزهر يتهدد كنيسة المسيح بالخطر: إن السنيين من المسلمين رسخ في أذهانهم أن تعليم العربية في الجامع الأزهر متقن ومتين أكثر منه في غيره، والمتخرجون في الأزهر معلوفون بسعة الإطلاع على علوم الدين وباب التعليم مفتوح في الأزهر لكل مشايخ الدنيا، خصوصا وأن أوقاف الأزهر الكثيرة تساعد على التعليم فيه مجانا لأن في استطاعته أن ينفق على 250 استاذا. ثم عرض اقتراحا يريد به إنشاء مدرسة جامعة نصرانية تقوم الكنيسة بنفقاتها لتتمكن من مزاحمة الأزهر بسهولة، وتتكفل هذه المدرسة الجامعة باتقان تعليم اللغة العربية. وختم كلامه قائلا: ربما كانت العزة الإلهية قد دعتنا إلى اختيار مصر مركز عمل لنا لنسرع بإنشاء هذا المعهد المسيحى لتنصير الممالك الإسلامية [1] .
لذلك كانت عنايتهم بإفساد الإسلام في مصر - أو بعبارة أخرى محاولة إخراج مصر من الإسلام - عناية شديدة، وبذلوا في سبيل تحقيقها جهودا مركزة قد تكون أوسع نطاقا وأعمق أثرا من أى محاولة أخرى قاموا بها في بقية العالم الإسلامى (فيما عدا محاولاتهم التى بذلوها في تركيا لإزالة الخلافة حتى حققوا هدفهم على يد كمال أتاتورك) [2] .
وثمت سبب آخر لاختيار التجربة المصرية هو أنها تجربة متكاملة، من أول الإنسلاخ من الإسلام إلى بدء العودة إليه. وسيجد كل قارئ من البلاد العربية أو الإسلامية الأخرى أن بلاده قد مرت بجانب من هذه التجربة عل الأقل. فإذا عرضنا له التجربة المتكاملة سهل عليه أن يستوعب أبعاد المؤامرة ويستوعب كذلك رد الفعل.
دور الحملة الفرنسية
فى عام 1798 م جاءت الحملة الصليبية الفرنسية إلى مصر بقيادة نابليون بونابارت.
وندرس نحن لأبنائنا أن الحملة الفرنسية كانت فتحا عظيما - لا بالنسبة لفرنسا ولكن بالنسبة لمصر! وأنها هى بداية الانفتاح المصرى على العالم المتحضر، وبداية الخروج من الظلمات إلى النور. وما يزال هناك سؤال دورى يتردد في اختبارات الشهادة الإعدادية، مرة يقال فيه: أذكر فوائد الحملة الفرنسية على مصر،
(1) الغارة علي العالم الإسلامي ص 57 - 58, الدار السعودية للنشر, جدة.
(2) ركز الصليبيون في م حاولتهم القضاء علي الإسلام علي نقطتين رئيسيتين: الآستانة والقاهرة. الآستانة بباعتبارها مركز القوة والسياسة والعسكرية للعالم الإسلامي, والقاهرة باعتبارها مركز الإشعاع الروحي والثقاقي. ولكن جهودهم في الآستانة كانت سياسية وعسكرية في المقام الأول, بينما كانت جهودهم في القاهرة فكرية وثقافية في المقام الأول. لذلك فإننا - في مجال الغزو الفكري - نركز علي التجربة المصرية, وسنتعرضض للتجربة التركية في أثناءء السرد التاريخي.