فهرس الكتاب
الصليبى المسلح، وذلك بإزاحة الحاجز العقدى الذى يذكر المسلم دائما بأنه مسلم وأعداؤه كفار يجب أن يجاهدهم ولا يسمح لهم باحتلال الأرض الإسلامية، فإذا"تغرب"لم يعد هذا الحاجز قائما في نفسه، ولم يعد يثير عنده ما يثيره الإسلام في نفس المسلم. كا أن التغريب هو الذى يضمن تبعية العالم الإسلامى للغرب - بعد أن يخضع عسكريا له - لأنه حين يتغرب، يحس أن انتماؤه لم يعد للإسلام وإنما للغرب، فلا يشعر برغبة في الانفصال عنه، وحتى إن رغب في يوم من الأيام أن"يستقل"ففى حدود التبعية العامة التى لا تخرجه من حوزة سادته، ومن النطاق الذى يضربه السادة حوله.
والآن وقد أدركنا تخطيط الأعداء فلننظر دور محمد على بعد"احتوائه"من قبل فرنسا.
كانت الخطة الصليبية - التى اضطلعت فرنسا بتنفيذها في مصر - هى تكبير محمد على وإغرائه بالاستقلال عن السلطان، فتنفصل بذلك قطعة من أرض المسلمين عن الدولة الإسلامية (وذللك يضعفها ولا شك) ثم يكون محمد على نموذجا مغريا لغيره من الولاة، فيستقلون تباعا عن الدولة رغبة في السلطان الذاتى، فتتفكك عرى الدولة وتنهار .. وفى ذات الوقت كانت الخطة هى تغريب مصر - بعد استقلالها - لضمان تبعيتها الدائمة للغرب وانفصالها النهائى عن الإسلام.
وقام محمد على بالدور المطلوب خير قيام فإن الجيش الذى صنعته له فرنسا، وقام بتدريبه سليمان باشا الفرنساوى قد استخدمه محمد على لا في محاولة الاستقلال عن الخلافة فحسب، بل في محاربة الخليفة نفسه، وقد كاد يتغلب على جيش الخليفة بالفعل لولا تدخل بريطانيا .. تظاهرا بالوقوف في صف الخليفة، وغيرة في الحقيقة من أن تستأثر فرنسا"بصداقة"السلطان، وبالنفوذ في مصر وفى الوقت نفسه لتخدم الهدف العام للصليبية بطريقة أخرى .. فقد أوقفت بريطانيا محمد على عند حده في ظاهر الأمر، ومنعته من مهاجمة الخليفة، وفى الوقت ذاته ضمنت له الاستقلال الفعلى عن الخليفة، والاستئثار بحكم مصر حكما وراثيا ينتقل في ذريته، مع التبعية الإسمية للسلطان (هذا بينما تجمعت أوربا الصليبية كلها لتحطيم محمد على في معركة نافرين لأنه نسى نفسه وتجرأ على مهاجمة دولة صليبية هى اليونان، فقد كبرته الصليبية وسلحته لمحاربة الإسلام فقط، فإذا فعل ذلك فله كل العون. أما إذا هاجت أطماعه لحسابه الخاص، فمس أحد الصليبين بسوء، فهنا يجب تأديبه بل تحطيمه تحطيما كاملا إذا لزم الأمر) .
أما الجانب الآخر من المهمة وهو عملية التغريب، فقد نفذها محمد على بسياسة الابتعاث التى اتبعها، بإرسال الطلاب الشبان إلى اوروبا ليتعلموا هناك .. وكان هذا أخطر ما فعله في الحقيقة. ز لأنه من هناك بدأ الخط"العلمانى"يدخل ساحة التعليم، ومن ورائه ساحة الحياة في مصر الإسلامية.
وقد يقول قائل إنه لم يكن أمامه من سبيل للنهوض بمصر إلا هذا السبيل، وهو قول مردود ..