فهرس الكتاب
فلو كان في مكان محمد على قائد مسلم واع [1] ، يريد أن ينهض بمصر الإسلامية - أى على أسس إسلامية وقاعدة إسلامية - فقد كان أمامه سبيل آخر، هو النهوض بالأزهر - معقل العلم لا لمصر وحدها بل للعالم الإسلامى كله - برده إلى الصورة الزاهية التى كانت عليها المعاهد الإسلامية في عصور النهضة، حيث كانت تعلم العلم الشرعى والعلوم الدنيوية، وكان يتخرج فيها الأطباء والمهندسون والرياضيون والفلكيون والفيزيائيون والكيمائيون المسلمون الذين علموا العلم لأوربا يوما من الأيام.
فإذا كانت بلاده - أو بلاد العالم الإسلامى جمعاء تفتقر إلى المتخصصين في هذه العلوم، الذين يحتاج إليهم الأزهر لينهض بمهمته، ففى وسعه يومئذ أن يرسل أفرادا بأعيانهم، يختارون اختيار دقيقا، على أساس دينهم وتقواهم، وحصافتهم ورزانتهم، بعد أن يكونوا قد تجاوزوا سن الفتنة، وأحصنوا بالزواج فلا ينزلقون في مزالق الفساد الخلقى .. فيتخصصون في مختلف العلوم ويعودون ليدرسوا للطلاب في بيئتهم الإسلامية، فيظل الشباب محافظا على إسلامه، ويتزود من العلوم بما ينفض عنه تخلفه العلمى، ويعيد إليه الحاسة العلمية التى فقدها المسلمون خلال عصر التخلف الطويل .. وعندئذ"تنهض"مصر، بل ينهض العالم الإسلامى كله من طريق الأزهر الذى يؤمه الدارسون من جميع بلاد العالم الإسلامى .. ويكون هذا القائد المسلم قد أدى أجل خدمة للإسلام والمسلمين.
فهل فكر محمد على على هذا النحو، أو هل كان قمينا أن يتجه هذه الوجهة
لرو كان هذا لما اختاروه. ولما جاءوا به ليؤدى دوره"العظيم".
إنما كانت صياغته النفسية كلها و"التوجيه"الذى يتلقاه، كله إلى الجانب الآخر. جانب التغريب.
لذلك أرسل الشبان الصغار بأعداد متزايدة إلى أوربا، وهم في سن الفتنة، غير محصنين بشئ .."لينهلوا"من العلم إن شاءوا، ومن الفساد إن شاءوا، أو من العلم والفساد معا في غالب الأحيان .. ثم يعودوا، ليكونوا رأس الحربة المتجه إلى الغرب، الذى يجر بلاده كلها إلى هناك.
ولا عبرة بأنه كان يرسل مع كل بعثة إماما يؤمهم في الصلاة ويعلمهم أمور دينهم. فقد كان للصلاة حتى ذلك الوقت قداستها في حسن المسلمين، ولا يتصور وجود"مسلم"لا يؤديها. أو هى في أقل الاعتبارات"تقليد"له قداسته، لا يمكن أن يخرج عليه مسلم. لذلك لم يكن يتصور أن تكون هناك مجموعة من المسلمين بغير إمام يؤمهم في الصلاة، ولا يمكن أن يقد محمد على على كسر ذلك التقليد المقدس في ذلك الحين.
ولكن ماذا فعل الآئمة.
(1) كانت الدعايات حول محمد علي"الكبير"تقول عنه إنه كان رجلًا داهية!! فلم يكن الذي ينقصه إذن هو الوعي!.