فهرس الكتاب
لقد كان رفاعة رافع الطهطاوى واحدا من أولئك الأئمة"العظام".. أو هكذا كان يوم ذهب إلى فرنسا .. ولكه عاد وهو واحد من أئمة التغريب.
استقبله أهله بالفرح يوم عاد من فرنسا بعد غيبة سنين .. فأشاح عنهم في ازدراء، ووسمهم بأنهم"فلاحون"لا يستحقون شرق استقباله.
ثم ألف كتابه الذى تحدث فيه عن أخبار"باريز"ودعا فيه إلى"تحرير"المرأة أى إلى السفور، وإلا الاختلاط، وأزال عن الرقص المختلط وصمة الدنس، فقال إنه حركات رياضية موقعة على أنغام الموسيقى، فلا ينبغى النظر إليه على انه عمل مذموم.
ولم يكن يتوقع بطبيعة الحال أن تستجيب الأمة الإسلامية في مصر إلى هذه الدعوى الطهطاوية في حينها، فقد كانت بقية الإسلام في نفوس المسلمين، كما كانت سيطرة التقاليد الإسلامية على كل جوانب الحياة، تبلغان من القوة إلى الحد الذى يجعل مثل تلك الدعوى في ذلك الوقت مثارا للسخرية ومثارا للاستنكار الشديد.
ولكن رأس الحربة كان يشير إلى الاتجاه .. الاتجاه إلى التغريب.
لقد كان العمل الذى قام به رفاعة الطهطاوى _ ومن ورائه محمد على _ هو على وجه التحديد على النحو التالى:
كانت في حياة المسلمين _ في مصر وفى غيرها من بلاد العالم الإسلامى _ نقطة ارتكاز واحدة، هى الإسلام - بصرف النظر مؤقتا عن كل ما أصابهم من تخلف عن حقيقة هذا الدين - فجاء رفاعة الطهطاوى فوضع إلى جانب نقطة الارتكاز الضخمة القائمة، نقطة ضئيلة غاية الضآلة هى"الحضارة الغربية"دعا المسلمين إلى الانتقال إليها والارتكاز عليها. ورويدا رويدا في حياة المسلمين أخذت تلك النقطة الضئيلة تكبر وتتضخم، وتصبح نقطة ارتكاز ثانية في حياة المسلمين إلى جانب الإسلام، مع التضاؤل التدريجى في نقطة الارتكاز الأولى بمقدر ما تتضخم النقطة الثانية .. حتى يأتى وقت تصبح تلط النقطة الضئيلة هى نقط الارتكاز الرئيسية، وتصبح نقطة الارتكاز الضخمة السابقة نقطة جانبية ضئيلة تكاد تنمحى من الوجود.
لقد استغرقت عملية الانتقال التدريجى ما يقرب من قرن من الزمان، ولكنها كانت عملية مستمرة لا تتوقف، بل تتوسع على الدوام، على النحو الذى سنتحدث عنه في الفقرات التالية، متتبعين مراحل الانتقال